أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
في الوقت الذي يعاني فيه التبادل التجاري العالمي من نزيف حاد عقب حصار مضيق هرمز، فإن اتفاقية الدفاع الأخيرة التي أبرمتها الولايات المتحدة مع إندونيسيا ليست مجرد مصادفة، بل هي علامة واضحة على أن الحرب الأميركية الإيرانية قد تتوسع لتشمل المحيط الهندي أيضاً.
في وقت تتراجع فيه التجارة العالمية نتيجة لحصار مضيق هرمز، يظهر أن الاتفاق الدفاعي مؤخراً بين الولايات المتحدة وإندونيسيا ليس صدفةً، بل مؤشراً واضحاً على احتمال امتداد الحرب الأميركية الإيرانية إلى المحيط الهندي، الأمر الذي يُضفي بعداً جديداً على الصراع في المنطقة. وبينما تتزايد الاضطرابات الجيوسياسية بمستوى متسارع في أنحاء العالم، فليس من الخطأ افتراض أن التطورات الأخيرة في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإندونيسيا تهدف بالدرجة الأولى إلى مواجهة النفوذ الصيني في المنطقة.
في نظريته عن "قلب الأرض" شرح الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر كيف أن من يسيطر على الكتلة الأرضية الأوراسية خاصة، يسيطر على العالم. وعلى النقيض من نظرية ماكيندر التي طرحها عام 1904، أوضح ألفريد تي. ماهان ، في كتابه "تأثير القوة البحرية على التاريخ"، بأسلوب بليغ كيف أن السيطرة على المحيطات سيطرة على العالم، وكتب أن القوة العالمية والازدهار الوطني لأي بلد يعتمدان بشكل كبير على السيطرة على الممرات البحرية، مما يسمح لها بحماية تجارتها الخاصة من خلال قطع طرق التجارة الخاصة بمنافسيها.
"عسكرة" هرمز قد تنتقل إلى ملقا
على هذا يظهر أن عسكرة مضيق هرمز من المحتمل أن تنتقل إلى مضيق ملقا ويكون هو التالي، مما يكشف أن نظرية ماهان الأقدم بكثير من نظرية ماكيندر، كشفت عن أهمية القوة البحرية، التي ما تزال بارزة للغاية في السيناريوهات المعاصرة، حيث تنخرط دول العالم في سباق للسيطرة على الممرات البحرية، مما يؤدي تدريجياً إلى تسليح نقاط الاختناق البحرية في جميع أنحاء العالم.
وبالرغم من مذكرات التفاهمات الموقعة بين الولايات المتحدة وسنغافورة في أعوام 1990 و2005 و2015، والتي تمنح البحرية الأميركية بالفعل صلاحيات كافية للوصول إلى المنشآت السنغافورية باسم الاستقرار الإقليمي والأمن البحري ومكافحة الإرهاب، قد أثارت اتفاقية الدفاع الموقعة مؤخراً بين الولايات المتحدة وإندونيسيا دهشة خبراء الجغرافيا السياسية في جميع أنحاء العالم، حيث أتت الاتفاقية في وقت تخوض فيه الولايات المتحدة والصين حرباً بالوكالة في إيران، حيث يبدو أن طهران تتلقى دعماً من بكين.
كل ذلك يساهم في سيطرة إيران على هذه الحرب في ظل الظروف الراهنة. ورغم صعوبة تصديق أن إيران هي المسيطرة، إلا أن كل هذا يحدث لأن إيران تتلقى، بحسب التقارير، دعماً غير مباشر من الصين. بل إن الولايات المتحدة زعمت أيضاً أن الصين قد تكون تزود إيران سراً بالأسلحة في هذه الحرب.
بالنظر إلى أن الصين إلى جانب خصوم أميركيين آخرين، قد قدمت دعمها الدبلوماسي لإيران علناً في هذه الحرب، فإن خبراء الجغرافيا السياسية في جميع أنحاء العالم يجادلون بأن الحصار المضاد الذي فرضته البحرية الأميركية في مضيق هرمز لم يكن لإلحاق الضرر بإيران فقط، بل أيضاً لمواجهة القدرة التجارية للصين مع إيران التي تمر عبر هذا المضيق، في وقت أعلنت فيه طهران أنها ستسمح بالمرور عبر المضيق للدول التي تتعامل بـ"البترو يوان" فقط.
بالنسبة للولايات المتحدة، يقف مسار العمل المستقبلي في الحرب الإيرانية عند مفترق طرق، بلا مخرج ولا دخول، وهذه هي المعضلة الاستراتيجية التي تواجهها اليوم. فبينما سيُشكّل انسحاب الولايات المتحدة المبكر من هذه الحرب تحديًا لصورتها المهيمنة عسكريًا على الصعيد العالمي، فإن الدعم الصيني والروسي لإيران في هذه الحرب يُكلّف الولايات المتحدة أكثر من مليار دولار، دون أي ضمانات لفوزها في هذه الحرب على أي حال.
المصدر:"Modern Diplomacy"
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك