أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
خرج الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، وفي لحظة اعتراف نادرة بعمق المأزق الاقتصادي، ليكشف ملامح مرحلة مالية جديدة عنوانها الاقتراض الخارجي المقنّع، بعدما لمح إلى إمكانية لجوء الجزائر إلى البنك الإفريقي للاقتراض بنحو ثلاثة مليارات دولار لتمويل مشاريع السكك الحديدية في الجنوب، وتحديداً بمحوري تمنراست والمنيعة، في خطوة تعكس ضغط التمويل أكثر مما تعكس قوة الخيارات.
تبون، الذي حاول تسويق الخطوة كاستثمار استراتيجي في البنية التحتية، قدّم في المقابل حزمة وعود اقتصادية كبرى، من بينها التعهد بوقف استيراد الحديد الخام نهائياً خلال عامين، والرهان على استغلال مناجم جديدة والدخول بقوة في استثمارات النحاس والفوسفات، في مسعى واضح لفك الارتباط النسبي بعائدات المحروقات التي ظلت لعقود شريان الدولة الوحيد.
الرئيس الجزائري أعلن أيضاً عن قرب انطلاق مشروع منجم الزنك والرصاص بوادي أميزور في أواخر شهر مارس، معتبراً إياه نموذجاً لما سماه “التحول المنجمي” للاقتصاد الوطني، غير أن هذا الإعلان يطرح من جديد أسئلة الحكامة والشفافية وجدوى المشاريع الكبرى التي طالما تأخرت أو تعثرت بفعل البيروقراطية وسوء التسيير.
وفي سقف طموح بدا أقرب إلى التحدي السياسي منه إلى التقدير الواقعي، أكد تبون أن مداخيل البلاد “يجب” أن تتجاوز 400 مليار دولار، دون تقديم خريطة طريق واضحة لتحقيق هذا الرقم، في ظل اقتصاد لا يزال هشاً، ونسيج صناعي محدود، واعتماد كبير على تقلبات السوق الطاقية العالمية.
أما بخصوص الصادرات غير النفطية، فقد تحدث الرئيس عن بلوغ خمسة مليارات دولار، مقارنة بـ1.8 مليار فقط سنة 2020، وهو تطور عددي لا يخفي حقيقة أن هذه الصادرات ما تزال ضعيفة قياساً بحجم الاقتصاد الجزائري وإمكاناته، ولا ترقى بعد إلى لعب دور فعلي في تعويض تراجع مداخيل النفط والغاز.
بين خطاب الطموح ولغة الأرقام، يبدو أن الجزائر تدخل مرحلة حساسة، تحاول فيها إقناع الداخل والخارج بقدرتها على تغيير نموذجها الاقتصادي، بينما تلجأ في الوقت نفسه إلى الاقتراض لتمويل مشاريع استراتيجية، في معادلة تضع وعود السيادة الاقتصادية في مواجهة واقع مالي لا يرحم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك