أنتلجنسيا:أبو فراس
أعادت أطماع الولايات المتحدة في جزيرة غرينلاند فتح جراح قديمة داخل حلف شمال الأطلسي، كاشفة هشاشة تحالف طالما قُدّم كعمود فقري للأمن الغربي، لكنه اليوم يتصدع تحت وطأة صراعات النفوذ والمصالح المتناقضة. القضية لم تعد مجرد نقاش جغرافي أو اقتصادي، بل تحولت إلى اختبار وجودي لمستقبل الناتو نفسه، في ظل تصاعد الشكوك حول التزام واشنطن بالبقاء داخل الحلف.
تصريحات الأمين العام السابق للناتو، ينس ستولتنبرغ، جاءت كإنذار مبكر لا يحتمل التأويل، حين أقر بأن لا أحد قادر على ضمان استمرار الولايات المتحدة داخل التحالف. اعتراف غير مسبوق يعكس حجم القلق داخل العواصم الأوروبية من شريك أمريكي بات يتعامل مع الناتو بمنطق الصفقة لا بمنطق الالتزام الاستراتيجي.
في أوروبا، خرج النقاش من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام، خصوصًا في فرنسا، حيث طُرحت لأول مرة بجدية فكرة الانسحاب من الناتو، في مؤشر خطير على تآكل الثقة في حلف يُفترض أنه قائم على التضامن الجماعي. هذا التحول يعكس شعورًا متزايدًا بأن واشنطن لم تعد ترى في أوروبا شريكًا متكافئًا، بل ساحة نفوذ قابلة لإعادة التشكيل وفق مصالحها الخاصة.
في المقابل، تحاول كندا لعب دور صمام الأمان داخل الحلف، بتشديدها على الالتزام الصارم بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تعتبر أي هجوم على دولة عضو هجومًا على الجميع. غير أن هذا التمسك القانوني يبدو عاجزًا عن إخفاء حقيقة سياسية مقلقة: تحالف عسكري يفقد بوصلته عندما يبدأ أقوى أعضائه في التشكيك بقيمه الأساسية.
قضية غرينلاند، بما تحمله من أبعاد استراتيجية مرتبطة بالقطب الشمالي والطاقة والممرات البحرية، لم تعد مجرد ملف ثانوي، بل تحولت إلى مرآة تعكس صراعًا عميقًا داخل الغرب نفسه. صراع بين أوروبا الباحثة عن استقلال استراتيجي، وولايات متحدة ترى في الهيمنة حقًا مكتسبًا لا يخضع للنقاش.
اليوم، يقف الناتو أمام لحظة مفصلية: إما إعادة تعريف نفسه كتحالف متوازن يحترم سيادة أعضائه، أو الانزلاق نحو التفكك التدريجي، حيث تتحول المادة الخامسة من درع جماعي إلى نص نظري بلا ضمانات. ما يحدث ليس خلافًا عابرًا، بل بداية تصدع قد يعيد رسم خريطة التحالفات العالمية، ويضع الغرب أمام أكبر أزمة استراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك