أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
أعاد فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، النقاش حول تدبير منظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب إلى واجهة الاهتمام، بعدما جدد موقفه الرافض لاستحواذ القطاع الصحي الخاص على الحصة الأكبر من نفقات التأمين الإجباري عن المرض، معتبراً أن استمرار توجيه معظم الموارد المالية نحو المؤسسات الصحية الخاصة يطرح إشكالات تتعلق بحسن تدبير المال العام وضمان استدامة هذا الورش الاجتماعي الذي تراهن عليه الدولة لتوسيع التغطية الصحية وتحسين شروط الولوج إلى العلاج.
وأوضح المسؤول الحكومي، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، يوم أمس الجمعة 30 أكتوبر الجاري، أن موقفه من هذه المسألة لا يخضع للاعتبارات الظرفية، مشدداً على أنه سبق أن عبر عن رفضه لهذا التوجه وسيواصل الدفاع عن الموقف نفسه، مستعملاً عبارة حازمة قال فيها: «قلتها وأقولها وسأقولها، مهما كان الثمن»، في إشارة إلى إصراره على ضرورة إخضاع تدبير الموارد المالية المخصصة للحماية الاجتماعية لمعايير واضحة تضمن توجيهها نحو الغايات التي أحدثت من أجلها.
وأضاف لقجع أن ارتباط تمويل منظومة الحماية الاجتماعية بالمال العام يفرض التعامل مع مواردها باعتبارها أمانة ومسؤولية تقتضي مراقبة دقيقة لمختلف أوجه صرفها، وعدم السماح بتحولها إلى مصدر إنفاق غير متوازن، خصوصاً في ظل التوسع المتواصل لقاعدة المستفيدين من التأمين الصحي وارتفاع الالتزامات المالية المرتبطة بتوفير الخدمات العلاجية والتعويض عن المصاريف الطبية.
وتكتسب مواقف الوزير أبعاداً إضافية بالنظر إلى المعطيات التي أوردها المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي برسم 2024-2025، والتي سلطت الضوء على التفاوت الكبير في توزيع نفقات الخدمات العلاجية بين القطاعين العام والخاص، بعدما كشفت الأرقام أن مقدمي الخدمات الصحية في القطاع الخاص استحوذوا خلال سنة 2024 على نحو 91 في المائة من مجموع النفقات العلاجية المفوترة التي تحملتها أنظمة التأمين الإجباري عن المرض، مقابل حصة لم تتجاوز 9 في المائة لفائدة المؤسسات الصحية العمومية.
وتكشف هذه الأرقام عن اختلال واضح في بنية الإنفاق الصحي، إذ يتجه الجزء الأكبر من الأموال التي تعبئها منظومة التأمين الإجباري عن المرض نحو مقدمي الخدمات في القطاع الخاص، بينما تظل مساهمة المستشفيات والمؤسسات الصحية العمومية محدودة، وهو وضع يطرح تساؤلات بشأن قدرة القطاع العام على الاستفادة من الموارد المالية التي يجري ضخها في إطار تعميم الحماية الاجتماعية، ومدى انعكاس ذلك على تطوير بنياته وتحسين جودة خدماته.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن حجم الإنفاق الصحي لم يعد يطرح إشكالاً مرتبطاً بتوزيع الموارد فقط، بل أصبح يرتبط أيضاً بوتيرة ارتفاع النفقات مقارنة بتطور المداخيل، إذ انتقلت مصاريف أنظمة التأمين الإجباري عن المرض من حوالي 13.62 مليار درهم سنة 2022 إلى ما يقارب 24.95 مليار درهم سنة 2024، مسجلة زيادة تناهز 83 في المائة خلال عامين، في مقابل نمو الموارد بنسبة لم تتجاوز 36 في المائة خلال الفترة ذاتها.
وتبرز هذه الفجوة بين تطور النفقات والمداخيل حجم الضغوط التي أصبحت تواجه التوازنات المالية لأنظمة التأمين الصحي، خصوصاً أن استمرار ارتفاع تكاليف العلاج والتعويضات بوتيرة أسرع من نمو الموارد قد يضع استدامة التمويل أمام تحديات متزايدة، ويجعل إصلاح آليات تدبير النفقات ومراقبة الخدمات المفوترة من بين الملفات التي لا يمكن تأجيل معالجتها.
وتفرض قراءة هذه المؤشرات التمييز بين مختلف مكونات القطاع الصحي الخاص، ذلك أن نسبة 91 في المائة التي كشف عنها التقرير لا تخص المصحات الخاصة وحدها، وإنما تشمل مجموع مقدمي الخدمات الصحية المنتمين إلى القطاع الخاص، بمن فيهم المؤسسات والمهنيون الذين يقدمون خدمات علاجية ويستفيدون من تعويضات أنظمة التأمين الإجباري عن المرض، غير أن حجم التدفقات المالية الموجهة إلى هذه المنظومة يضع المصحات والعيادات الخاصة في صلب النقاش الدائر حول كيفية توزيع النفقات الصحية.
وتعكس هذه الوضعية مفارقة في مسار تعميم الحماية الاجتماعية بالمغرب، فبينما تعمل الدولة على توسيع دائرة المستفيدين من التأمين الصحي وتعبئة اعتمادات مالية مهمة لضمان حق المواطنين في العلاج، يستمر الجزء الأكبر من الإنفاق في التوجه نحو القطاع الخاص، في وقت تواجه فيه المستشفيات العمومية تحديات مرتبطة بنقص التجهيزات الطبية والموارد البشرية، وضعف بعض البنيات الاستشفائية، وطول فترات الانتظار للحصول على المواعيد والخدمات العلاجية.
وتساهم هذه الاختلالات في تفسير توجه عدد من المواطنين نحو المصحات والعيادات الخاصة، بحثاً عن مواعيد أقرب وخدمات علاجية في ظروف مختلفة، وهو ما يؤدي إلى استمرار تدفق نسبة كبيرة من نفقات التأمين الصحي إلى القطاع الخاص، ويطرح في المقابل سؤالاً جوهرياً حول قدرة المؤسسات العمومية على استعادة دورها في تقديم العلاج واستقطاب المستفيدين من أنظمة التغطية الصحية.
وتتجاوز الإشكالية، بهذا المعنى، مجرد مطالبة القطاع الخاص بتقليص حصته من النفقات، لتشمل ضرورة تطوير العرض الصحي العمومي وتحسين جودته وتوسيع قدرته الاستيعابية، لأن إعادة توزيع الإنفاق لا يمكن أن تتحقق بصورة مستدامة دون توفير مستشفيات مجهزة وأطر طبية وتمريضية كافية، إلى جانب تحسين ظروف الاستقبال والتكفل بالمرضى وتقليص آجال الحصول على الخدمات الصحية.
وتسعى الحكومة، في هذا السياق، إلى تغيير ملامح توزيع النفقات الصحية خلال السنوات المقبلة، من خلال وضع هدف يتمثل في رفع حصة المؤسسات الصحية العمومية من مصاريف التأمين الإجباري عن المرض إلى 50 في المائة بحلول سنة 2031، بعدما ظلت في حدود 9 في المائة سنة 2024، وهو طموح يعكس حجم التحول الذي تستهدفه السياسات العمومية في مجال تمويل الخدمات الصحية وتوجيه الموارد نحو المرافق العمومية.
ويعني بلوغ هذا الهدف إحداث تغيير عميق في موازين الإنفاق الصحي، بالنظر إلى أن رفع مساهمة المؤسسات العمومية من المستوى الحالي إلى النسبة المستهدفة يتطلب استثمارات كبيرة في البنيات التحتية والتجهيزات الطبية، فضلاً عن تعزيز الموارد البشرية وتطوير آليات التدبير والحكامة، بما يسمح للمستشفيات العمومية بتقديم خدمات تستجيب لانتظارات المؤمنين وتنافس من حيث الجودة والنجاعة.
وتضع هذه الرهانات الحكومة أمام مسؤولية مزدوجة، تتمثل من جهة في ضمان استدامة الموارد المالية المخصصة للتغطية الصحية، ومن جهة ثانية في تقوية المؤسسات العمومية حتى تصبح قادرة على استيعاب نسبة أكبر من الطلب على العلاج، لأن تحقيق التوازن في توزيع النفقات لا يرتبط فقط بإجراءات المراقبة المالية، بل يتطلب أيضاً إصلاحاً فعلياً للمنظومة الصحية ومختلف مكوناتها.
وتحمل الرسائل التي وجهها لقجع إلى الفاعلين في القطاع الصحي الخاص دلالات تتجاوز الاعتراض على تركيز الإنفاق، لتفتح النقاش حول ضرورة تشديد مراقبة الفواتير الطبية ومدى مطابقتها للخدمات المقدمة فعلياً، فضلاً عن مراجعة التعريفة المرجعية وآليات التعويض، والتأكد من أن الأموال التي تتحملها صناديق التأمين تقابل خدمات علاجية حقيقية ومبررة، دون تحميل المنظومة نفقات إضافية لا تستند إلى أسس واضحة.
وتبرز أهمية هذه المراقبة بالنظر إلى العلاقة المالية التي تربط صناديق التأمين بمقدمي الخدمات الصحية، حيث تقتضي حماية حقوق المؤمنين وضمان التوازنات المالية إخضاع الفواتير والتعويضات لقواعد دقيقة وشفافة، مع توفير آليات للتدقيق والتتبع تسمح برصد الاختلالات المحتملة والتعامل معها، دون المساس بحق المرضى في الاستفادة من العلاج أو تعطيل الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص.
وتطرح هذه المقاربة أيضاً ضرورة إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات الصحية الخاصة وأنظمة التأمين الإجباري عن المرض، على أساس تحقيق التوازن بين مصالح مختلف الأطراف، وضمان احترام الالتزامات المالية والقانونية، بما يحول دون تحول التوسع في التغطية الصحية إلى عامل يفاقم النفقات دون مردودية صحية متناسبة معها، ويضمن في الوقت نفسه استمرار الاستثمار الخاص في مجال الخدمات الطبية.
ورفض لقجع، في السياق ذاته، اختزال إخضاع أنشطة القطاع الخاص للضوابط القانونية والمالية في كونه موقفاً معادياً للاستثمار أو المبادرة الحرة، مؤكداً أن تشجيع المقاولات وتحفيز الاستثمار لا يتعارضان مع حماية المال العام واحترام قواعد المنافسة والشفافية، وهو ما يعكس توجهاً يرمي إلى وضع النشاط الاقتصادي داخل إطار من المسؤولية والالتزام بالقواعد المنظمة للقطاعات التي تستفيد من التمويل العمومي.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة طبيعة الدور الذي ينبغي أن يضطلع به القطاع الخاص داخل المنظومة الصحية الوطنية، خصوصاً بعدما أصبح شريكاً أساسياً في تقديم الخدمات العلاجية لفائدة المؤمنين، غير أن هذا الدور يظل مرتبطاً بضرورة احترام القواعد المؤطرة للتعويضات والفوترة، وضمان عدم استغلال التوسع في التغطية الصحية لرفع النفقات على حساب التوازنات المالية للصناديق.
ويواجه ورش الحماية الاجتماعية، بالتالي، مرحلة دقيقة تتطلب الانتقال من توسيع قاعدة المستفيدين وتعبئة الموارد المالية إلى تحسين فعالية الإنفاق وضمان انعكاسه المباشر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، إذ إن نجاح هذا المشروع لا يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين أصبحوا مشمولين بالتأمين الصحي، وإنما أيضاً بمدى قدرتهم على الحصول على العلاج في ظروف مناسبة، وبمدى التوازن بين الموارد التي يتم تعبئتها والتكاليف التي تتحملها أنظمة التأمين.
وتكشف تصريحات وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية أن ملف توزيع نفقات التأمين الإجباري عن المرض بات يحتل موقعاً متقدماً ضمن النقاش الحكومي حول مستقبل الحماية الاجتماعية، في ظل الحاجة إلى التوفيق بين استدامة التمويل وتطوير العرض الصحي العمومي وضبط مساهمة القطاع الخاص، وهي معادلة ستتطلب قرارات إصلاحية تتجاوز التصريحات السياسية إلى إجراءات عملية قابلة للقياس والتقييم.
وتتجه الأنظار، في ضوء هذه المعطيات، إلى مدى قدرة الحكومة على تحويل هدف رفع حصة المؤسسات العمومية إلى 50 في المائة بحلول سنة 2031 إلى برنامج واقعي، يستند إلى استثمارات واضحة وإصلاحات مؤسساتية وتحسين ملموس للخدمات الصحية، بالتوازي مع تطوير آليات المراقبة والتدقيق المالي، بما يضمن عدم اختلال العلاقة بين حجم الموارد المعبأة والنتائج الصحية المحققة.
وتؤكد هذه المؤشرات أن الرهان الحقيقي لم يعد مقتصراً على توسيع التغطية الصحية أو زيادة حجم الاعتمادات المالية، بل أصبح مرتبطاً بكيفية تدبير كل درهم من الأموال المخصصة لهذا الورش، ومدى قدرته على تحسين شروط العلاج وتقوية المستشفيات العمومية وحماية حقوق المؤمنين، وهي الملفات التي ستحدد إلى حد بعيد مستقبل استدامة الحماية الاجتماعية بالمغرب وقدرتها على تحقيق الأهداف التي أُحدثت من أجلها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك