أنتلجنسيا:أبو آلاء
عاد ملف الشفافية في تدبير الصفقات العمومية إلى قلب الجدل السياسي والمؤسساتي بالمغرب بعدما فجرت معطيات متداولة شكوكا حول احتمال وقوع تعديلات مثيرة للريبة داخل البوابة الرسمية للصفقات العمومية، الأمر الذي دفع المجموعة النيابية للعدالة والتنمية إلى المطالبة بفتح تحقيق عاجل للكشف عن حقيقة ما جرى وترتيب المسؤوليات إذا ثبتت صحة هذه الادعاءات.
وتفجرت القضية عقب توجيه رئيس المجموعة النيابية للحزب، عبد الله بووانو، سؤالا كتابيا إلى وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، طالب فيه بتوضيحات دقيقة بشأن معطيات مرتبطة بإحدى الصفقات العمومية الخاصة بإنجاز أشغال الربط بشبكة الماء الصالح للشرب لفائدة عدد من المؤسسات التعليمية بإقليم الرحامنة، وذلك بعد ظهور مؤشرات توحي بإمكانية حدوث تغييرات في بيانات مالية منشورة عبر المنصة الرسمية المخصصة للطلبيات العمومية.
وبحسب المعطيات التي استند إليها السؤال البرلماني، فإن وثائق وصورا موثقة جرى تداولها أظهرت اختلافات في الأرقام المدرجة ضمن خانة العروض المالية الأصلية قبل التصحيح، رغم أن هذه البيانات يفترض أن تكون نهائية وغير قابلة لأي تعديل بعد انتهاء جلسة فتح الأظرفة والإعلان الرسمي عن المعطيات المتعلقة بالمنافسة بين الشركات المتبارية.
وأثارت هذه الفوارق الرقمية تساؤلات واسعة حول مدى سلامة المنظومة المعلوماتية المعتمدة في تدبير الصفقات العمومية، خاصة أن الرقمنة كانت تقدم دائما باعتبارها أحد أهم الضمانات الحديثة لمحاربة التلاعبات وتعزيز النزاهة وتكافؤ الفرص بين المقاولات الراغبة في الحصول على الطلبيات العمومية.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن أي تغيير محتمل في المعطيات المنشورة، سواء كان نتيجة خلل تقني أو تدخلا بشريا غير مشروع، من شأنه أن يطرح علامات استفهام ثقيلة حول مستوى الحماية الرقمية المعتمد داخل واحدة من أكثر المنصات حساسية في الإدارة المغربية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بإنفاق الأموال العمومية وتدبير مليارات الدراهم من الصفقات والمشاريع.
وفي هذا السياق، طالب الفريق النيابي بفتح تحقيق تقني معمق في السجلات المعلوماتية الخاصة بالبوابة الإلكترونية للصفقات العمومية، من أجل تتبع جميع العمليات التي تمت على مستوى النظام المعلوماتي وتحديد مصدر التغييرات المفترضة وتوقيتها والجهات التي يمكن أن تكون وراءها، مع الكشف للرأي العام عن النتائج النهائية لهذا التحقيق.
كما دعا إلى دراسة إمكانية تعليق مسطرة إسناد الصفقة موضوع الجدل إلى حين استجلاء كافة الملابسات المرتبطة بالقضية، تفاديا لأي تبعات قانونية أو إدارية قد تترتب عن استمرار الإجراءات في حال ثبت وجود اختلالات أو تجاوزات تمس بمبادئ المنافسة الشريفة والشفافية.
وتكتسي هذه القضية حساسية خاصة بالنظر إلى أن بوابة الصفقات العمومية تمثل إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجية الدولة في رقمنة الخدمات الإدارية وتعزيز الحكامة الجيدة، حيث تعتمدها مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية لنشر طلبات العروض واستقبال الملفات وتتبع مراحل إسناد الصفقات بشكل إلكتروني.
ويحذر متابعون من أن أي مساس بمصداقية هذه المنصة قد ينعكس سلبا على ثقة المقاولات والمتعاملين الاقتصاديين في المنظومة الرقمية برمتها، خصوصا في مرحلة تراهن فيها الدولة على التحول الرقمي كمدخل أساسي لتحديث الإدارة ومحاربة الفساد وتقليص هامش التدخل البشري في تدبير المعاملات العمومية.
وبينما تنتظر الأوساط الاقتصادية والسياسية رد وزارة الاقتصاد والمالية على هذه الاتهامات، يتصاعد الجدل حول ما إذا كانت القضية مجرد خلل تقني عابر أم أنها تكشف عن ثغرات أعمق داخل نظام يفترض أنه صمم لحماية المال العام وضمان النزاهة والشفافية. وفي جميع الأحوال، تبدو هذه الواقعة مرشحة لإعادة فتح نقاش واسع حول أمن المنصات الرقمية العمومية وحدود الثقة في الأنظمة الإلكترونية التي أصبحت تدير جزءا متزايدا من الشأن العام بالمغرب.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك