القفة تصرخ في صمت والمغاربة يختارون ما يتركونه لا ما يشترونه وسط غلاء يلتهم الأساسيات ويكشف عجز السياسات

القفة تصرخ في صمت والمغاربة يختارون ما يتركونه لا ما يشترونه وسط غلاء يلتهم الأساسيات ويكشف عجز السياسات
اقتصاد / الإثنين 27 أبريل 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

لم تعد لحظة الوقوف أمام رفوف الأسواق في المغرب فعلاً عادياً من تفاصيل الحياة اليومية، بل تحولت إلى امتحان قاسٍ يفرض على المواطن حساب ما يمكن الاستغناء عنه بدل التفكير فيما يحتاجه فعلاً، في مشهد يلخص عمق أزمة تتجاوز الأرقام الرسمية إلى واقع معيش يزداد ثقلاً يوماً بعد يوم.

داخل هذا المشهد، لم تعد “القفة” مجرد وسيلة لاقتناء الحاجيات، بل صارت مرآة صادمة لانهيار التوازن بين الدخل والأسعار، حيث يجد المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء لا تعترف بأي حدود، تفرض إعادة ترتيب الأولويات بشكل مؤلم، وتحوّل أبسط القرارات الاستهلاكية إلى معادلات معقدة.

المؤشرات الحقيقية لم تعد تُقرأ في التقارير، بل تُلمس في تفاصيل الحياة اليومية: اللحم الذي خرج تدريجياً من الاستهلاك العادي ليصبح حكراً على المناسبات، الخضر التي تُقتنى بالقطعة بدل الكيلوغرام، والمصاريف التي تُحسب بدقة قبل كل خطوة، في انعكاس واضح لتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات مقلقة.

الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار، بل بالإحساس المتزايد بأن هذا الارتفاع يتم في غياب حلول ملموسة على الأرض، حيث تبدو الإجراءات المعلنة بعيدة عن التأثير الفعلي داخل الأسواق، ما يعمّق شعوراً عاماً بأن المواطن يواجه هذه العاصفة الاقتصادية وحيداً، خارج دائرة الحماية.

هذا الإحساس يتغذى من واقع يومي يزداد قسوة، حيث لم يعد التراجع يمس الكماليات فقط، بل امتد إلى أساسيات العيش، مع أسر تضطر لتقليص جودة غذائها، وتأجيل احتياجات ضرورية، والعيش تحت ضغط دائم عنوانه: كيف يمكن تجاوز نهاية الشهر دون انهيار.

في المقابل، يستمر خطاب “استقرار الأسعار” في التداول، ما يخلق فجوة حادة بين ما يُقال وما يُعاش، ويطرح تساؤلات جدية حول مصداقية المقاربات المعتمدة، وقدرتها على مواكبة التحولات السريعة التي يعرفها السوق، وحماية الفئات الأكثر هشاشة من الانزلاق نحو أوضاع أكثر صعوبة.

المقلق في هذا الوضع ليس فقط الكلفة الاقتصادية، بل الأثر النفسي والاجتماعي الذي يتراكم بصمت، حيث تتآكل الثقة تدريجياً، ويتحول الإحساس بالتهميش إلى عامل ضغط إضافي داخل المجتمع، في غياب إشارات قوية تعيد التوازن وتبعث الطمأنينة.

في النهاية، لم تعد الحقيقة تُقاس بما يُعلن في البيانات، بل بما يُعاش في الأسواق، حيث تكشف “القفة” يومياً عن واقع لا يمكن تجميله: قدرة شرائية تتراجع، وهوامش عيش تضيق، وأزمة تتطلب أكثر من خطابات، بل قرارات جريئة تعيد الاعتبار لأبسط حقوق المواطن في العيش الكريم.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك