أنتلجنسيا:ياسر اروين
في المشهد الاقتصادي المغربي الراهن، يبدو أن السيطرة على كل مفاصل الاقتصاد أصبحت شبه مطلقة بيد الهولدينغ الملكي وأقرب مستشاري الملك، إذ لم يعد هناك قطاع أو نشاط اقتصادي، سواء كان في الصناعة أو الخدمات أو الزراعة أو الطاقة، إلا وخضع لتوجيهاتهم المباشرة أو غير المباشرة، ما يحوّل الاقتصاد الوطني إلى شبكة محكومة بمصالح نخبة ضيقة، بعيداً عن أي رقابة أو منافسة حقيقية.
السيطرة تشمل كل مستويات الاقتصاد: من المشاريع الكبرى التي تتطلب استثمارات ضخمة إلى الأنشطة الصغيرة والمتوسطة، حيث يتم توجيه القرارات الاستثمارية وفق أجندة محددة داخل هذه الدائرة الضيقة، بما يضمن تعزيز النفوذ المالي والسياسي للهولدينغ ومستشاري الملك، بينما تبقى الأسواق المحلية والمواطن العادي على هامش هذه العملية.
الأمر لا يقتصر على الاقتصاد التقليدي، بل يمتد ليشمل الثروات الطبيعية للمملكة، من المعادن والفوسفات والنفط والغاز إلى الموارد المائية والغابات والمناطق الساحلية. فكل مشروع استثماري في هذه المجالات يخضع لتراخيص أو شراكات يتم التحكم فيها بشكل مركزي، ما يمنح النخبة الحاكمة القدرة على تحديد من يستفيد ومن لا يستفيد من ثروات البلاد.
هذا التمركز في السلطة الاقتصادية يضع المغرب في وضع هش، إذ يتم تقييد المنافسة وتقويض فرص نمو قطاع خاص مستقل، وتصبح القرارات الاقتصادية الكبرى مرتبطة بالموافقة الملكية أو بمباركة مستشاريه. كما يخلق هذا الوضع نوعاً من التضارب بين المصلحة العامة وقرارات نخبة محددة، ما يؤدي إلى تحويل الموارد الوطنية إلى أدوات للنفوذ السياسي والمالي بدل أن تكون خدمة للتنمية الشاملة.
المؤشرات على الأرض واضحة: مشاريع البنية التحتية الكبرى، استغلال المناجم، الاستثمار في الطاقة المتجددة والمياه، وحتى القطاع السياحي، كلها تخضع بشكل مباشر أو غير مباشر لهولدينغ ملكي ومستشاريه، فيما يتم التحكم في عقود الشراكة والمناقصات بحيث تعود الغالبية الساحقة من العوائد لهذه الدائرة الضيقة.
هذا النمط من الهيمنة يطرح تساؤلات عميقة حول الشفافية، العدالة الاقتصادية، وتوزيع الثروات في المغرب، إذ يتحول الاقتصاد من كونه أداة للنهوض بالمجتمع إلى شبكة معقدة من المصالح المحمية والمركّزة حول نخبة محددة، بينما يبقى المواطن العادي خارج أي تأثير حقيقي على القرارات التي تحدد مستقبله الاقتصادي والمعيشي.
النتيجة النهائية هي أن الهولدينغ الملكي ومستشاري الملك لا يسيطرون فقط على الاقتصاد الرسمي، بل يمتد نفوذهم إلى جميع الموارد الطبيعية الحيوية، ما يجعل أي نقاش حول التنمية المستدامة أو العدالة الاقتصادية أمراً مستحيلاً ما لم يتم إعادة التفكير في آليات إدارة الثروات والاقتصاد الوطني بعيداً عن دائرة الاحتكار الضيق.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك