أنتلجنسيا:أبو جاسر
في صمت مريب، تتحول مدن المغرب إلى مسرح مفتوح لأخطر أشكال الغش الضريبي المنظم، حيث لم يعد بيع الفواتير الوهمية مجرد تجاوزات معزولة، بل أصبح نشاطًا منظّمًا تديره شبكات محكمة، تستفيد من حماية غير مفهومة وتواطؤ صامت، بينما تُستنزف خزينة الدولة وتُسحق المقاولات النزيهة تحت وطأة المراقبة والضرائب.
معطيات متطابقة تفيد بأن شركات وهمية ومقاولات صغيرة تُستعمل كواجهات لإنتاج فواتير صورية “جاهزة للاستعمال”، تُباع لكبار التجار والمقاولين وأسماء وازنة في عالم المال والأعمال، بهدف تضخيم المصاريف وتقليص الأرباح المصرح بها، والتهرب من الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات. عمليات تُدار باحتراف عالٍ، وبأثمنة مضبوطة، وبحجم معاملات يصل إلى ملايين السنتيمات، في مشهد يستحيل أن يمر دون علم أو تغاضٍ من أجهزة المراقبة.
الأخطر أن هذه الفواتير الوهمية لا تُستعمل فقط للتهرب الضريبي، بل لتبييض وضعيات محاسباتية غير قانونية، وتحويل الغش إلى أرقام “نظيفة” داخل دفاتر الشركات المحمية. في المقابل، تُخضع المقاولات الملتزمة لمراقبات خانقة، وتُفرض عليها غرامات قاسية، وتُدفع دفعًا نحو الإفلاس أو الخروج من السوق، في مفارقة تفضح انهيار مبدأ العدالة الجبائية وتكافؤ الفرص.
هنا يطرح الشارع الاقتصادي أسئلته الثقيلة: كيف تمر فواتير صورية بهذا الحجم دون أن تلتقطها أنظمة المراقبة والافتحاص؟ وأين دور مديرية الضرائب ومصالحها الإقليمية في رصد هذه المعاملات المشبوهة؟ وهل الأمر يتعلق بضعف تقني في التتبع، أم بتراخٍ متعمد، أم بتواطؤ يحمي المتورطين لأن أسماءهم “أكبر من أن تُحاسب”؟ ولماذا يُفرض الصمت على نتائج أي افتحاص جدي، إن وُجد أصلًا؟
استمرار هذا الوضع يشكل خطرًا مباشرًا على مالية الدولة، ويُكرس اقتصاد الريع والغش، ويقوض ثقة المواطنين والمستثمرين في المؤسسات الرقابية. دولة تتحدث عن الإصلاح الجبائي وربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكنها الاستمرار في غض الطرف عن فواتير الأشباح، ولا في ترك التهرب الضريبي امتيازًا محميًا لفئة نافذة، تؤدى كلفته من جيوب الملتزمين وحدهم.
الكرة اليوم في ملعب السلطات المعنية: إما تحرك عاجل وحازم يقطع مع الحماية الغامضة ويكشف المتورطين مهما كانت أسماؤهم، أو استمرار النزيف في صمت، إلى أن يتحول الغش الضريبي إلى قاعدة، والالتزام بالقانون إلى استثناء. أسئلة محرجة تفرض نفسها بقوة وصمت المؤسسات لم يعد جوابًا مقبولًا.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك