خلال زيارة الملك الإسباني سبتة تخشى فقدان ورقة المغرب

خلال زيارة الملك الإسباني سبتة تخشى فقدان ورقة المغرب
ديكريبتاج / الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)

أعادت الزيارة الرسمية التي قام بها الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر الجاري، تسليط الضوء على المأزق الاقتصادي الذي تواجهه المدينة المحتلة، في ظل تصاعد الدعوات إلى بناء نموذج اقتصادي لا يعتمد على المغرب، بعدما كشفت التحولات التي شهدتها المنطقة الحدودية عن هشاشة قطاعات تجارية ظلت تستفيد لسنوات طويلة من حركة السلع والأشخاص بين الضفتين.

واستغل رئيس الحكومة المحلية لسبتة، خوان خيسوس فيفاس، المناسبة الملكية لتجديد مطالبته بتدخل مؤسسات الدولة الإسبانية من أجل وضع أسس مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً، في سياق أزمة تتداخل فيها الاعتبارات التجارية والاجتماعية والأمنية، وتفرض على المدينة البحث عن بدائل لمصادر النشاط التي تأثرت بتغير طبيعة العلاقة مع المغرب. وتكشف هذه المطالب، في جوهرها، استمرار القلق الرسمي من تداعيات التحولات التي عرفتها الحدود، ومن صعوبة بناء نموذج اقتصادي بديل في ظل الموقع الجغرافي والسياسي الخاص للمدينة.

وتعود جذور هذا القلق إلى التحول الذي بدأ مع إغلاق معبر التهريب المعيشي المعروف باسم «تاراخال الثاني» سنة 2019، بعدما قررت السلطات المغربية إنهاء نمط من المبادلات التجارية غير النظامية التي كانت تربط سبتة بمحيطها المغربي. وقد ترتب عن ذلك تراجع نشاط تجاري ارتبطت به مصالح اقتصادية واسعة على جانبي الحدود، بينما اضطرت السلطات في المنطقة إلى البحث عن بدائل لاستيعاب تداعيات القرار على فرص العمل ومصادر الدخل.

وفي المقابل، لم يقتصر أثر هذا التحول على الجانب المغربي، بل امتد إلى سبتة نفسها، حيث برزت الحاجة إلى إعادة النظر في نموذج اقتصادي استفاد من الطلب القادم من السوق المغربية ومن حركة العبور الحدودية. وكان فيفاس قد صرح، في يناير 2020، بأن المدينة لا ينبغي أن تعتمد على المغرب في المسائل الاستراتيجية، داعياً الحكومة المركزية في مدريد إلى تحمل مسؤوليتها في وضع أسس مستقبلها الاقتصادي. وهو ما يؤكد أن الدعوة إلى فك الارتباط الاقتصادي ليست وليدة الزيارة الملكية الأخيرة، وإنما تعود إلى سنوات من القلق بشأن مستقبل المدينة بعد تغير قواعد التعامل التجاري عبر الحدود.

وتزامن هذا المسار مع شروع المغرب في تطوير بدائل اقتصادية بشمال المملكة، من خلال مشاريع ومناطق للأنشطة التجارية والصناعية، من بينها المنطقة الاقتصادية بالفنيدق، التي ارتبطت بمحاولات توفير فرص بديلة للمتضررين من توقف التهريب المعيشي، وإعادة تنظيم النشاط التجاري في إطار أكثر قانونية. وقد عكست هذه الخطوات توجهاً نحو تقليص الاعتماد على الاقتصاد الحدودي غير النظامي، مع السعي إلى توجيه المبادلات نحو قنوات تجارية منظمة.

وبذلك، أصبحت التحولات الاقتصادية في شمال المغرب عاملاً مؤثراً في النقاش حول مستقبل سبتة، بعدما لم يعد ممكناً التعامل مع الحدود باعتبارها مجرد منفذ لتبادل السلع، بل باعتبارها عنصراً يرتبط بتوازنات اقتصادية واجتماعية أوسع. فكلما اتجه المغرب إلى تنظيم اقتصاده الحدودي وتطوير بنياته التجارية، ازدادت الحاجة داخل سبتة إلى تحديد مصادر جديدة للنشاط الاقتصادي، بعيداً عن الافتراض بأن حركة السوق المغربية ستظل رافداً دائماً لاقتصاد المدينة.

وتسعى السلطات المحلية في سبتة، في هذا السياق، إلى دفع مدريد والاتحاد الأوروبي نحو تقديم دعم أكبر للاستثمار وخلق فرص العمل وتعزيز البنيات الاقتصادية، غير أن تحويل هذه المطالب إلى نموذج بديل يظل رهيناً بقدرة المدينة على استقطاب أنشطة منتجة ومستدامة. فالمساعدات المالية وحدها لا تضمن بناء اقتصاد متنوع، كما أن الدعوة إلى تقليص الاعتماد على المغرب لا تقدم تلقائياً جواباً عن القطاعات التي ستعوض النشاط التجاري المتراجع أو عن فرص الشغل التي ستوفرها للسكان.

وتزداد صعوبة هذا الرهان بالنظر إلى الموقع الجغرافي لسبتة، المحاطة بالأراضي المغربية، وإلى خصوصية وضعها السياسي والاقتصادي، بما يجعل علاقاتها بالمحيط القريب عاملاً لا يمكن تجاهله عند صياغة أي استراتيجية تنموية. كما أن إعادة بناء اقتصاد أقل اعتماداً على المبادلات الحدودية لا تعني بالضرورة إنهاء كل أشكال التعاون التجاري، بل تطرح سؤالاً حول كيفية إقامة علاقة اقتصادية أكثر توازناً، تقوم على القواعد القانونية والمصالح المتبادلة، بدلاً من استمرار الاعتماد على أنماط تجارية قابلة للتوقف بفعل القرارات السيادية.

وتكشف هذه التطورات أن إنهاء التهريب المعيشي لم يكن مجرد إجراء جمركي محدود، بل مثّل تحولاً في طبيعة الاقتصاد الحدودي، فرض على الطرفين مراجعة حساباتهما بشأن التجارة وفرص العمل والتنمية. ففي الوقت الذي سعت فيه مناطق مغربية إلى البحث عن بدائل للأنشطة غير النظامية، واجهت سبتة بدورها ضرورة إعادة تقييم نموذجها الاقتصادي، وهو ما جعل مسألة تنويع مصادر الدخل تتقدم في خطاب مسؤوليها المحليين.

وتطرح الزيارة الملكية، من جهة أخرى، سؤالاً حول مدى قدرة المؤسسات الإسبانية والأوروبية على تحويل الدعم السياسي المعلن لسبتة إلى مشاريع اقتصادية ملموسة، خصوصاً أن مستقبل المدينة لا يرتبط فقط بحجم التمويل المتاح، بل أيضاً بقدرتها على تطوير قطاعات إنتاجية وخدماتية توفر قيمة مضافة وفرص عمل مستقرة. كما أن أي استراتيجية ناجحة ستحتاج إلى قراءة واقعية للتحولات التي يعرفها شمال المغرب، بدلاً من التعامل معها باعتبارها تطورات عابرة يمكن تجاوز آثارها بقرارات إدارية أو مساعدات ظرفية.

وفي المحصلة، تعكس مطالب خوان خيسوس فيفاس رغبة في تقليص اعتماد سبتة على محيطها المغربي، لكنها تكشف في الوقت نفسه صعوبة فصل الاقتصاد عن الجغرافيا. فالمغرب يواصل إعادة تنظيم مجاله الحدودي وتطوير بدائل للأنشطة غير النظامية، بينما تبحث سبتة عن صيغة تضمن استقرارها الاقتصادي في مرحلة جديدة. وبين المسارين، يبقى التحدي الحقيقي هو بناء نموذج تنموي قادر على الصمود، لا الاكتفاء بتجديد المطالب السياسية كلما كشفت التحولات الإقليمية عن هشاشة الأسس الاقتصادية القائمة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك