مغاربة إسبانيا والانتخابات المبكرة..الهجرة والصحراء المغربية تفتحان معركة التأثير السياسي

مغاربة إسبانيا والانتخابات المبكرة..الهجرة والصحراء المغربية تفتحان معركة التأثير السياسي
ديكريبتاج / السبت 10 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين(المغرب)

أعاد إعلان رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، تنظيم الانتخابات التشريعية المبكرة يوم 29 نوفمبر المقبل، النقاش حول موقع الجالية المغربية داخل المشهد السياسي الإسباني، بعدما بدأت دعوات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي تحث مغاربة إسبانيا على الاهتمام بالاستحقاق الانتخابي المقبل، وتدعو المواطنين الإسبان من أصول مغربية إلى المشاركة في التصويت، مع إبداء مساندة للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، الذي يقوده سانشيز. ويكشف هذا النقاش عن تداخل متزايد بين القضايا التي تشغل المهاجرين في حياتهم اليومية وبين الملفات السياسية والدبلوماسية التي تؤثر في طبيعة العلاقات بين مدريد والرباط.

وبحسب ما يجري تداوله في تدوينات وتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن جانباً من هذه الدعوات يستند إلى اعتقاد أصحابها بأن الحزب الاشتراكي العمالي يتبنى مقاربة أكثر انفتاحاً تجاه قضايا الهجرة وتسوية الأوضاع القانونية للمهاجرين، مقارنة بالخطاب الذي تتبناه بعض قوى اليمين الإسباني، ولا سيما حزب فوكس المعروف بمواقفه المتشددة في ملفات الهجرة والهوية الوطنية. غير أن هذه الدعوات، مهما اتسع تداولها، لا تكفي وحدها لإثبات وجود موقف موحد داخل الجالية المغربية، التي تتباين أولويات أفرادها وتختلف توجهاتهم السياسية والاجتماعية.

ويأتي هذا النقاش في سياق انتخابي حساس، بعدما أعلن سانشيز تقديم موعد الانتخابات العامة إلى 29 نوفمبر 2026، عقب تعثر حكومته في تمرير تدابير تشريعية مرتبطة بملف السكن داخل البرلمان. وبذلك تدخل إسبانيا مرحلة سياسية ستتصدرها ملفات القدرة الشرائية والسكن والتشغيل والخدمات العمومية، إلى جانب الهجرة والأمن والهوية، وهي قضايا تمس مباشرة حياة ملايين المقيمين، بمن فيهم أفراد الجالية المغربية.

وتحتل الهجرة موقعاً بارزاً في النقاش الدائر بين مغاربة إسبانيا، بالنظر إلى ارتباطها بالاستقرار الأسري والحق في العمل والحصول على الوثائق القانونية والاستفادة من الخدمات الأساسية. ومن هذا المنطلق، ينظر بعض المتابعين إلى سياسات الحكومة الاشتراكية باعتبارها أكثر قابلية للحوار بشأن تسوية أوضاع المهاجرين، بينما يخشى آخرون من أن يؤدي تصاعد الخطاب المناهض للهجرة إلى تضييق المجال أمام سياسات الإدماج والتعايش.

لكن تقييم الأحزاب الإسبانية لا يمكن أن يقوم على الشعارات وحدها، أو على الانطباعات المتداولة في المنصات الرقمية. فالموقف الحقيقي لكل حزب من المهاجرين ينبغي أن يُقاس بمواقفه المعلنة، ومقترحاته التشريعية، وطريقة تعامله مع ملفات الإقامة والعمل ولمّ شمل الأسر ومكافحة التمييز، فضلاً عن أثر السياسات التي يدافع عنها في الحياة اليومية للمقيمين الأجانب. كما أن التمييز ضروري بين الخطاب الانتخابي والممارسة الحكومية، لأن الوعود التي تُقدَّم خلال الحملات لا تتحول بالضرورة إلى قرارات قابلة للتنفيذ.

وفي المقابل، لا يمكن فصل الاهتمام المغربي بالانتخابات الإسبانية عن التطور الذي عرفته العلاقات بين الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ إعلان الحكومة الإسبانية سنة 2022 دعمها مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب باعتباره أساساً جدياً وواقعياً لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية. وقد منح هذا التحول العلاقات الثنائية بعداً سياسياً واستراتيجياً مهماً، وأعاد ترتيب عدد من الملفات المشتركة، من التعاون الاقتصادي إلى تدبير الهجرة والأمن والتنسيق الإقليمي.

ومن الطبيعي أن يحظى هذا الملف باهتمام فئات من المغاربة المقيمين في إسبانيا، بالنظر إلى ارتباطه بقضية وطنية مركزية بالنسبة إلى المغرب. غير أن الموقف الإسباني من الصحراء المغربية، على أهميته، يظل ملفاً من ملفات السياسة الخارجية، ولا ينبغي اختزاله في المنافسة الانتخابية الداخلية أو افتراض أن نتائج الانتخابات ستؤدي تلقائياً إلى تغيير الموقف الرسمي الإسباني. فاستمرار أي توجه دبلوماسي أو تعديله يرتبط بتوازنات مؤسساتية وسياسية وبحسابات المصالح بين البلدين، وليس فقط بهوية الحزب الذي يقود الحكومة.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين المواقف الحزبية المعلنة والمصالح الاستراتيجية التي تحكم العلاقات بين الدول. فالعلاقة المغربية الإسبانية لا تقوم على ملف الصحراء وحده، بل تشمل التجارة والاستثمار والتعاون الأمني وإدارة الحدود والهجرة والتنسيق في قضايا إقليمية متعددة. ولهذا فإن قراءة نتائج الانتخابات المقبلة، أياً كانت، ستتطلب النظر في مجمل هذه الملفات، بعيداً عن الاستنتاجات المتسرعة التي تربط مستقبل العلاقات الثنائية بمآل المنافسة بين الأحزاب الإسبانية.

وفي قلب النقاش الدائر على منصات التواصل، يبرز أيضاً حضور حزب فوكس وخطابه المتشدد بشأن الهجرة. فقد أصبح هذا الحزب أحد أبرز الأطراف التي تطرح مواقف أكثر صرامة في قضايا الحدود والإقامة والهويات الوطنية، الأمر الذي يدفع بعض المعلقين إلى التحذير من انعكاسات صعود اليمين المتشدد على المهاجرين، ومن بينهم المغاربة. وفي المقابل، يرى مشاركون آخرون في النقاش أن تقييم الأحزاب ينبغي ألا يقتصر على ملف الهجرة، بل يجب أن يشمل برامجها الاقتصادية والاجتماعية، ومواقفها من السكن والتشغيل والأجور والتعليم والصحة والقدرة الشرائية.

ويعكس هذا التباين اختلافاً في ترتيب الأولويات داخل الجالية المغربية نفسها. فبالنسبة إلى بعض الأسر، تتقدم قضايا الاستقرار القانوني وفرص العمل والتعليم والسكن على غيرها من الملفات، فيما يعطي آخرون أهمية أكبر للعلاقات المغربية الإسبانية وموقف مدريد من الصحراء المغربية. وهناك أيضاً من يرى أن المشاركة السياسية ينبغي أن تنطلق أساساً من تقييم البرامج التي تؤثر في مستوى المعيشة والحقوق والخدمات، لا من الروابط الوطنية أو الانطباعات الأيديولوجية وحدها.

وتستدعي هذه النقطة توضيحاً قانونياً مهماً: فالإقامة في إسبانيا أو حمل الجنسية المغربية لا يمنحان، في حد ذاتهما، الحق في التصويت في الانتخابات التشريعية العامة. ويقتصر التصويت في هذه الانتخابات على من تتوافر فيهم شروط الأهلية القانونية، وفي مقدمتها الجنسية الإسبانية والتسجيل في السجل الانتخابي وفق القواعد المعمول بها. وبذلك فإن الدعوات المتداولة لا يمكن أن تتحول إلى مشاركة انتخابية مباشرة من جميع أفراد الجالية، بل تتعلق أساساً بالمواطنين الإسبان من أصول مغربية الذين يحق لهم التصويت، فضلاً عن إمكان التعبير عن المواقف السياسية بوسائل أخرى مشروعة.

ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة التمثيل السياسي للمغاربة الحاملين للجنسية الإسبانية، ومدى قدرتهم على تحويل حضورهم الاجتماعي والاقتصادي إلى مشاركة مدنية واعية ومستقلة. فالمشاركة لا تختزل في إعلان الدعم لحزب بعينه، بل تشمل متابعة البرامج والوعود، ومساءلة المرشحين، وفهم الصلاحيات التي تمتلكها المؤسسات المنتخبة، وتقييم ما يمكن أن تقدمه السياسات المقترحة لمعالجة مشكلات السكن والتشغيل والتمييز والإدماج.

كما أن التفاعل الواسع مع الانتخابات على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة أن الآراء المتداولة تمثل غالبية المغاربة المقيمين في إسبانيا. فالمنصات الرقمية تتيح للأصوات الأكثر نشاطاً أن تظهر بصورة أكبر من حجمها الفعلي، بينما قد تظل مواقف شرائح واسعة بعيدة عن النقاش العلني. ولذلك ينبغي التعامل مع الدعوات المنشورة باعتبارها مؤشراً على وجود اهتمام سياسي لدى بعض الأفراد والمجموعات، لا باعتبارها دليلاً قاطعاً على اصطفاف جماعي وراء حزب محدد.

وفي المرحلة المقبلة، سيكون من الضروري أن تركز الأحزاب الإسبانية على تقديم تصورات واضحة بشأن الهجرة والإدماج وسوق العمل، وأن توضح كيف ستتعامل مع التحديات التي تواجه المقيمين الأجانب والمواطنين من أصول مهاجرة. فالجالية المغربية ليست مجرد كتلة انتخابية مفترضة، ولا ينبغي اختزالها في ورقة تستخدم خلال الحملات، بل هي جزء من النسيج الاجتماعي والاقتصادي الإسباني، ولها مصالح متنوعة وتطلعات ترتبط بمستقبل البلاد الذي تعيش فيه.

وفي الوقت نفسه، تظل العلاقات المغربية الإسبانية بحاجة إلى الاستقرار والحوار واستمرار التعاون في الملفات المشتركة، بصرف النظر عن التنافس الحزبي داخل إسبانيا. فالرهان لا يقتصر على هوية الفائز في الانتخابات، وإنما يمتد إلى قدرة المؤسسات والحكومة المقبلة على الحفاظ على قنوات التواصل مع المغرب، وتدبير القضايا الثنائية بما يخدم المصالح المشتركة، مع احترام سيادة البلدين ومواقفهما الرسمية.

وبين دعوات الدعم المتداولة للحزب الاشتراكي، والتحذيرات من تصاعد خطاب اليمين المتشدد، والأصوات التي تطالب بإعطاء الأولوية للبرامج الاقتصادية والاجتماعية، يبدو أن الانتخابات الإسبانية المقبلة فتحت نقاشاً متعدد الأبعاد داخل بعض أوساط الجالية المغربية. غير أن الحسم في قيمة هذه الدعوات وتأثيرها يظل رهيناً بما ستكشف عنه الحملة الانتخابية من برامج ومواقف، وبمدى قدرة المواطنين الذين يملكون حق التصويت على تقييمها بصورة مستقلة.

وفي المحصلة، فإن الأهم بالنسبة إلى مغاربة إسبانيا ليس تحويل النقاش إلى اصطفاف عاطفي مع هذا الحزب أو ذاك، بل متابعة ما تعرضه القوى السياسية من حلول عملية لقضايا الهجرة والعمل والسكن والحقوق، إلى جانب تقييم مواقفها من العلاقات مع المغرب. فالمشاركة السياسية الواعية تبدأ من معرفة الحقوق والواجبات، وفهم البرامج والتمييز بين الوعود والقرارات، وهي وحدها القادرة على جعل النقاش الانتخابي أكثر اتصالاً بالمصالح الحقيقية للناس وبمستقبل التعايش داخل المجتمع الإسباني.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك