من حلم الوحدة إلى واقع الانقسام وجامعة الدول العربية في خضم العجز التاريخي

من حلم الوحدة إلى واقع الانقسام وجامعة الدول العربية في خضم العجز التاريخي
ديكريبتاج / الجمعة 10 أبريل 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين

لم تعد جامعة الدول العربية، بعد أكثر من سبعة عقود على تأسيسها، سوى عنوانٍ بارز لفشل العمل العربي المشترك، بعدما تحولت من مشروع وحدوي طموح إلى مؤسسة مثقلة بالانقسامات، عاجزة عن التأثير في أخطر الأزمات التي تعصف بالمنطقة.

فمنذ نشأتها سنة 1945، كانت الآمال معلقة على كيان إقليمي قادر على توحيد القرار العربي واستثمار الإمكانيات الاقتصادية الضخمة لتحقيق نهضة شاملة، غير أن الواقع سار في اتجاه معاكس، حيث طغت الخلافات السياسية على كل المبادرات، لتترسخ مقولة أن العرب يتفقون فقط على الاختلاف، في مشهد يعكس هشاشة التنسيق وفقدان الإرادة الجماعية.

فالقضية الفلسطينية، التي كانت لسنوات عنوان الإجماع العربي، عرفت بدورها مساراً متراجعاً، إذ شكلت قمة الخرطوم سنة 1967 محطة رفعت شعارات الوحدة والمواجهة، قبل أن يأتي مؤتمر الرباط 1974 ليغير المعادلة بإقرار تمثيلية منظمة التحرير الفلسطينية بشكل منفرد، وهو تحول فتح الباب أمام مسار الاتفاقيات الثنائية مثل اتفاقية كامب ديفيد، ما عمّق الشرخ العربي وأضعف الموقف الجماعي.

هذا التراجع لم يقتصر على الملف الفلسطيني، بل امتد ليشمل مختلف القضايا الإقليمية، حيث بدت الجامعة في أزمات حديثة، مثل الحرب في السودان أو المأساة المتواصلة في قطاع غزة، مجرد مراقب يكتفي ببيانات الشجب، دون أي قدرة فعلية على التأثير أو فرض حلول، في وقت تتصاعد فيه الانتهاكات وتتعاظم فيه المعاناة الإنسانية.

وفي خضم التصعيد الإقليمي الأخير المرتبط بالتوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، برز عجز إضافي، بعدما تعرضت دول الخليج لهجمات صاروخية ومسيرات استهدفت بنيتها التحتية، دون أن تنجح الجامعة في تفعيل أي آلية للدفاع المشترك، مكتفية بمواقف مترددة زادت من تعميق الشعور بالخذلان داخل الشارع العربي.

وإذا كان هذا العجز يبدو اليوم أكثر وضوحاً، فإن جذوره تعود إلى محطات سابقة، من بينها أزمة الكويت، حيث لم تكن الجامعة في طليعة المدافعين، بل سبقتها قوى دولية ومؤسسات أممية في اتخاذ مواقف حاسمة، ما رسخ صورة مؤسسة تفتقر إلى الفعالية في اللحظات الحاسمة.

اليوم، يعيش المواطن العربي على وقع مفارقة صارخة بين حلم وحدة سياسية واقتصادية على غرار مجموعة من التجارب الإنسانية، وواقع متشظٍ تحكمه الحدود المغلقة والصراعات المتكررة، بينما تواصل القمم العربية إنتاج نفس الخطابات البروتوكولية التي لم تعد تقنع أحداً.

وفي ظل هذا الوضع، تتزايد الدعوات داخل المجتمعات العربية للبحث عن بدائل سياسية جديدة، قادرة على تجاوز منطق البيانات إلى منطق الفعل، وإنهاء حالة الجمود التي جعلت من مؤسسة إقليمية عريقة رمزاً لعجز مزمن أكثر منها أداة لصناعة القرار.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك