أنتلجنسيا:أبو آلاء
دخلت أزمة مشروع قانون مهنة المحاماة منعطفاً حاسماً بعد أسابيع من الاحتقان غير المسبوق الذي شلّ المحاكم وأربك مرفق العدالة، في مشهد عكس عمق الهوة بين الحكومة وهيئات الدفاع. الاحتجاجات التي فجّرها مشروع القانون رقم 66.23 بلغت ذروتها مباشرة بعد مصادقة المجلس الحكومي عليه، حين قرر المحامون التوقف المفتوح عن تقديم خدماتهم المهنية، ما أدى عملياً إلى تجميد عدد واسع من القضايا وتعليق مصالح المتقاضين.
في خضم هذا التصعيد، تحرك رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بمجلس النواب، عبد الله بووانو، بمبادرة وُصفت بأنها محاولة لكسر الجمود عبر وساطة برلمانية تجمع الفرق النيابية، أغلبية ومعارضة، على أرضية الحوار. الاتصالات التي أجراها مع رؤساء الفرق البرلمانية حظيت، بحسب المعطيات المعلنة، بترحيب مبدئي واستعداد للانخراط في مسار وساطة يروم تقريب وجهات النظر. كما شملت المبادرة رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب ووزير العدل، اللذين عبّرا عن استعداد للتفاعل الإيجابي مع المقترح.
غير أن التطورات تسارعت بشكل لافت. فقبل أن تتبلور الوساطة البرلمانية بشكل رسمي، عقد رئيس الحكومة لقاء مباشراً مع رئيس جمعية هيئات المحامين، أعقبه اجتماع لمكتب الجمعية انتهى بإعلان العودة إلى طاولة الحوار وتشكيل لجنة مشتركة للنظر في مشروع القانون، مع قرار استئناف تقديم الخدمات المهنية ابتداءً من 16 فبراير 2026. خطوة أنهت عملياً حالة الشلل التي خيمت على المحاكم، وفتحت الباب أمام جولة جديدة من التفاوض.
بووانو اعتبر أن الهدف من مبادرته قد تحقق، والمتمثل أساساً في إعادة الحكومة والجمعية إلى الحوار وضمان عودة المحاكم إلى سيرها العادي حفاظاً على حقوق المتقاضين. وفي المقابل، لم يخف الإشارة إلى ما وصفه بتأخر تدخل رئيس الحكومة، رغم أن المشروع صودق عليه في الثامن من يناير، معتبراً أن الوساطة البرلمانية تظل من صميم أدوار المؤسسة التشريعية، خصوصاً في الأزمات التي تمس الخدمات الأساسية.
الأزمة كشفت هشاشة العلاقة بين السلطة التنفيذية ومكونات العدالة، وأعادت إلى الواجهة سؤال المنهجية في تدبير مشاريع القوانين الحساسة، خاصة تلك المرتبطة باستقلالية المهن القضائية وضمانات الدفاع. فشل الحوار المسبق أدى إلى انفجار الشارع المهني، فيما جاء الحل عبر تفاوض متأخر كاد يكلف المنظومة القضائية ثمناً باهظاً.
اليوم، ومع إعلان استئناف العمل بالمحاكم، يبقى الرهان الحقيقي في مضمون التعديلات المرتقبة على مشروع القانون، وفي قدرة الأطراف على صياغة نص يوازن بين تحديث المهنة وترسيخ استقلاليتها وضمان حصانة الدفاع، بعيداً عن منطق فرض الأمر الواقع أو تسجيل النقاط السياسية. ما جرى لم يكن مجرد خلاف تقني حول مواد قانونية، بل اختباراً حقيقياً لمدى نضج الحوار المؤسساتي في لحظة أزمة، حيث كادت العدالة نفسها أن تتحول إلى ساحة صراع مفتوح.
وهذا النص الكامل لبيان بوانو الصادر قبل قليل من مساء يوم الخميس 12 فبراير الجاري:
بيان بخصوص الوساطة البرلمانية حول مشروع القانون المتعلق بمهنة المحاماة
على إثر تصاعد احتجاجات المحامين تعبيرا عن رفضهم لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة، والتي بلغت ذروتها، بعد مصادقة مجلس الحكومة على المشروع، بالتوقف عن تقديم الخدمات المهنية بشكل مفتوح، مما أصاب المحاكم بالشلل، وأثر سلبا على استمرار مرفق العدالة.
ومساهمة مني من موقعي في مجلس النواب في إيجاد صيغ للحوار وتقريب وجهات النظر بخصوص هذا المشروع، بادرت إلى اقتراح وساطة برلمانية للخروج من هذه الوضعية.
وفي هذا السياق، اتصلت يوم الجمعة 06 فبراير 2026، بجميع رؤساء الفرق بمجلس النواب، أغلبية ومعارضة، لأقترح عليهم القيام بوساطة برلمانية في الموضوع، فرحبوا جميعهم بالفكرة، ووافقوا مبدئيا، وعبروا عن استعدادهم للانخراط فيها للمساهمة في وضع حد لهذه الوضعية المتأزمة.
كما اتصلت في نفس اليوم برئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، النقيب الحسين الزياني، لاقترح عليه هو الآخر هذه المبادرة، واتصلت كذلك بوزير العدل الأستاذ عبد اللطيف وهبي في الموضوع ذاته، فبارك من جهته هذه المبادرة، وعبر عن استعداده الانخراط فيها والتفاعل إيجابا معها.
ومساء الأحد 08 فبراير 2026، اتصل بي رئيس الجمعية ليطلب مني عقد لقاء لتفعيل هذه الوساطة، وهو ما كان بالفعل، حيث التقيت به زوال يوم الاثنين 09 فبراير 2026، وبناء على مادار في هذا اللقاء أعددت مسودة الرسالة التي اقترحت توجيهها لرئيس الجمعية من طرف رؤساء الفرق والمجموعة النيابية بخصوص الوساطة البرلمانية، وعاودت في نفس اليوم الاتصال بجميع رؤساء الفرق، وأطلعتهم على مضمون هذا اللقاء، باستثناء رئيس الفريق الاشتراكي، الذي ظل هاتفه مغلقا أو خارج التغطية، إلى غاية يوم الأربعاء 11 فبراير 2026، حيث توصلت منه برسالة صوتية تطلب إرجاء قرار فريقه النهائي منها إلى غاية مساء اليوم نفسه.
وبعد زوال يوم الاربعاء 11 فبراير 2026 علمت أن رئيس الحكومة عقد لقاء مع رئيس الجمعية صباح نفس اليوم، وعلى اثره عقد مكتب الجمعية لقاء وأصدر بلاغا ليلة الأربعاء يعلن فيه الاتفاق مع رئيس الحكومة على العودة للحوار بخصوص مشروع القانون وإحداث لجنة مشتركة لهذا الغرض، والعودة إلى تقديم الخدمات المهنية ابتداء من الاثنين المقبل 16 فبراير 2026.
وإذ أحيط علما الرأي العام بهذه المعطيات، أعلن ما يلي:
أولاً- تلقينا بارتياح كبير دعوة جمعية هيئات المحامين بالمغرب لاستئناف تقديم الخدمات المهنية، وكذا قرار العودة للحوار بخصوص مشروع القانون؛
ثانيا- بالرغم من كل الحيثيات ومن تأخر رئيس الحكومة في التدخل بالرغم من ان مجلس الحكومة صادق على المشروع منذ 08 يناير، اؤكد أن الهدف والمبتغى من مبادرتي قد تم، والتي كان الغرض منها اساساً كما ورد في البلاغات المتتالية للأمانة العامة للحزب في 27 دجنبر 2025 قبل مصادقة المجلس الحكومي وفي 12 يناير و 09 فبراير 2026 بعد مصادقة المجلس الحكومي، هو عودة الحكومة والجمعية إلى طاولة الحوار بما يفضي إلى عودة المحاكم إلى سيرها العادي للحفاظ على حقوق المتقاضين، والى بلورة مشروع قانون يرسخ استقلالية مهنة المحاماة وحصانة الدفاع ويضمن حقوق المواطنين والمواطنات في الدفاع عن مصالحهم وفي المحاكمة العادلة؛
ثالثا- أذكر أن الوساطة البرلمانية وكما كانت في عهد مختلف الحكومات تعتبر من صميم ادوار البرلمان ولا سيما فيما يتعلق بالملفات الكبرى وعند الأزمات التي تؤدي إلى توقف الخدمات الضرورية، وأنها كانت دائما تجمع الأغلبية والمعارضة على حد سواء، وتفسح لها الحكومات المجال وتتفاعل معها باحترام وتقدير وصدر رحب والأمثلة على ذلك كثيرة.
وبه وجب الإعلام والسلام.
د. عبد الله بووانو
رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك