أنتلجنسيا:أبو فراس
تتباين موازين القوة البرية بين الجيوش العربية تبعاً لحجم الترسانة العسكرية، ونوعية المعدات، ومستوى التحديث، والقدرة على صيانة الأسلحة وتطويرها. وفي منطقة تمتد فيها الحدود البرية لمسافات شاسعة وتتعدد فيها التحديات الأمنية، لا يُقاس التفوق العسكري بعدد الدبابات وحده، بل أيضاً بفاعلية المدفعية، وحجم المركبات المدرعة، وكفاءة الإسناد اللوجستي، ومدى اندماج هذه العناصر في منظومة قتالية متكاملة.
وتضع بيانات موقع «غلوبال فاير باور» لعام 2026 مصر والجزائر والأردن والمغرب والسعودية ضمن أبرز القوى البرية العربية، مع اختلاف واضح في حجم ترساناتها وتوجهاتها التسليحية. ففي حين تتقدم مصر من حيث عدد الدبابات والمركبات المدرعة، تبرز الجزائر بترسانتها ذات الطابع الروسي، ويعتمد الأردن على أسطول مدرع كبير وبرامج للتطوير، بينما يواصل المغرب تحديث دباباته ومدفعيته، وتستند السعودية إلى منظومات غربية مدعومة ببرامج للصيانة والتدريب.
1مصر..ثقل مدرع وقاعدة للصيانة والتصنيع
تتصدر مصر الدول الخمس من حيث عدد الدبابات، إذ يقدّر «غلوبال فاير باور» مخزونها بنحو 3620 دبابة، مقابل 54694 مركبة مدرعة، وهي أرقام تعكس اتساع بنيتها العسكرية البرية وتعدد تشكيلاتها الميكانيكية. ولا تقتصر هذه القوة على المركبات القتالية، بل تشمل المدفعية المقطورة وذاتية الحركة وراجمات الصواريخ، إلى جانب وسائل النقل والاستطلاع والإمداد والهندسة العسكرية.
وتجمع الترسانة المصرية بين دبابات أمريكية، أبرزها «إم 1 إيه 1 أبرامز»، ومنصات «إم 60»، وطرازات أقدم من عائلتي «تي 55» و«تي 62». ويعكس هذا التنوع تفاوتاً في أعمار المعدات ومستويات الحماية وأنظمة الرصد والتسديد، كما يضع أمام الجيش مهمة الحفاظ على جاهزية أسطول يضم أجيالاً مختلفة من الدبابات.
وتحظى «أبرامز» بمكانة بارزة ضمن هذا الأسطول، بفضل مدفعها الرئيسي عيار 120 ملم وأنظمة التحكم في النيران والحماية المدرعة. غير أن الحفاظ على كفاءتها لا يرتبط بمواصفاتها الفنية فقط، بل يتطلب أيضاً توفير قطع الغيار وإجراء أعمال الإصلاح والتحديث بصورة منتظمة.
وفي هذا الإطار، يشكل مصنع إنتاج وإصلاح المدرعات، المعروف باسم «مصنع 200 الحربي» في أبو زعبل، إحدى ركائز التعاون الصناعي العسكري بين القاهرة وواشنطن. فمنذ بدء إنتاج الدبابات عام 1992، اضطلع المصنع بأعمال التجميع وتصنيع بعض المكونات المحلية، مع استمرار اعتماد البرنامج على مكونات أمريكية رئيسية، تشمل المحرك التوربيني وناقل الحركة وأنظمة التسديد والتحكم في النيران.
ويمتد دور المنشأة إلى أعمال الصيانة والإصلاح، بما في ذلك التعامل مع دبابات «إم 60 إيه 3»، الأمر الذي يساعد على إطالة العمر التشغيلي للمعدات وتقليص الاعتماد على المنشآت الخارجية في بعض أعمال الدعم الفني.
وفي ديسمبر 2024، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة عسكرية محتملة بقيمة تقدر بنحو 4.69 مليار دولار، لتحديث وإعادة تأهيل 555 دبابة مصرية من طراز «إم 1 إيه 1» إلى معيار «إم 1 إيه 1 إس إيه». وشملت الحزمة المقترحة تحسينات في الرؤية الحرارية وتجهيزات السائق، إلى جانب محركات وناقلات حركة وقطع غيار وخدمات فنية ولوجستية، مع تنفيذ الأعمال في المصنع المصري بالتعاون مع شركة «جنرال دايناميكس لاند سيستمز».
وإلى جانب الدبابات، تعتمد مصر على مدافع ذاتية الحركة من طراز «إم 109»، وراجمات صواريخ متعددة العيارات، ومركبات قتالية وناقلات جنود من مصادر أمريكية وأوروبية وروسية ومحلية. وتمنح هذه التشكيلة القوات البرية خيارات متنوعة للإسناد الناري والحركة، فيما تظل القدرة على صيانة المعدات ورفع جاهزيتها من أبرز العوامل المؤثرة في الاستفادة من حجم الترسانة.
2الجزائر..ترسانة روسية وإسناد ناري متنوع
تستند القوة البرية الجزائرية إلى مخزون مدرع كبير، تدعمه استثمارات ممتدة في اقتناء الدبابات والمركبات القتالية وتطوير وسائل الإسناد. وتقدر بيانات «غلوبال فاير باور» لعام 2026 عدد الدبابات الجزائرية بنحو 1485 دبابة، فيما يصل عدد المركبات العسكرية المدرعة إلى 24920 مركبة.
وتشكل المعدات الروسية العمود الفقري لجزء مهم من هذه القوة، وفي مقدمتها دبابات «تي 90 إس إيه» و«تي 72». وتختلف هذه المنصات في مستوى تجهيزاتها وأنظمة الحماية والرصد، بينما تتيح برامج التحديث تحسين قدرات بعض الدبابات الأقدم والمحافظة على صلاحيتها التشغيلية.
وتتميز «تي 90 إس إيه» بمدفع أملس عيار 125 ملم ونظام تلقيم آلي، فضلاً عن تجهيزات للرصد والتسديد ووسائل حماية تتباين بحسب النسخة ومستوى التطوير. ويمنحها ذلك موقعاً مهماً ضمن التشكيلات المدرعة الجزائرية، إلى جانب الدبابات الأخرى التي تشكل جزءاً من المخزون العسكري.
ولا ينحصر الثقل الجزائري في الدبابات، إذ يسجل الموقع 224 قطعة مدفعية ذاتية الحركة، و483 قطعة مدفعية مقطورة، و188 راجمة صواريخ. ويتيح هذا التنوع توفير الإسناد الناري للوحدات المتقدمة وضرب الأهداف من مسافات مختلفة، فضلاً عن دعم التحركات البرية بنيران المدفعية والصواريخ.
وتفرض المساحة الشاسعة للجزائر وطول حدودها البرية متطلبات إضافية على منظومة النقل والإمداد والصيانة. فالحفاظ على آلاف المركبات في حالة تشغيلية يتطلب توفير الوقود والذخائر وقطع الغيار، إلى جانب قدرات الإصلاح الميداني وإعادة المعدات المتضررة إلى الخدمة.
وبذلك، تجمع القوة البرية الجزائرية بين عدد كبير من الدبابات والمركبات المدرعة، ووسائل إسناد ناري متنوعة، مع اعتماد ملحوظ على منظومات التسليح الروسية. وتظل كفاءة الدعم الفني واللوجستي عاملاً أساسياً في تحويل هذا المخزون إلى قدرة عملياتية مستدامة.
3الأردن..دبابات متعددة المصادر وخبرة في التطوير
يحتل الأردن موقعاً بارزاً بين الجيوش العربية من حيث حجم أسطوله المدرع مقارنة بمساحة البلاد، إذ تقدر بيانات «غلوبال فاير باور» عدد دباباته بنحو 1508 دبابات، مقابل 25278 مركبة عسكرية مدرعة.
وتعتمد القوات البرية الأردنية على خليط من المنصات الغربية، من بينها دبابات «تشالنجر 1» التي عُرفت محلياً باسم «الحسين»، ودبابات «إم 60» المطورة، إلى جانب دبابات «لوكلير» التي انتقلت إلى المملكة من الإمارات العربية المتحدة. ويعكس هذا المزيج تنوع مصادر التسليح، لكنه يفرض في الوقت نفسه احتياجات متفاوتة للصيانة والتدريب وتوفير قطع الغيار.
وتشير مصادر مفتوحة إلى انتقال نحو 80 دبابة «لوكلير» إلى الأردن، حيث عُرفت باسم «لوكلير زايد»، وظهرت علناً خلال تمرين «حصن صلاح الدين» في أكتوبر 2020 بالمنطقة العسكرية الشرقية.
وتتميز هذه الدبابة بمدفع رئيسي أملس عيار 120 ملم، ونظام تلقيم آلي يسمح بتشغيلها بواسطة طاقم من ثلاثة أفراد، إضافة إلى تجهيزات رقمية للتحكم في النيران وإدارة العمليات. ويبلغ وزن النسخ الأساسية نحو 57 طناً، فيما تصل سرعتها القصوى على الطرق إلى قرابة 71 كيلومتراً في الساعة.
وفي موازاة ذلك، عمل الأردن على تطوير بعض منصاته الأقدم، ولا سيما دبابات «إم 60»، من خلال تحسين أنظمة التحكم في النيران والتجهيزات الإلكترونية والحماية. كما أسهم مركز الملك عبدالله الثاني للتصميم والتطوير في تنمية الخبرات المحلية المرتبطة بالمركبات المدرعة والتعديلات الفنية والتجهيزات الدفاعية.
وعلى مستوى الإسناد، يمتلك الأردن، وفق تقديرات الموقع لعام 2026، نحو 478 قطعة مدفعية ذاتية الحركة، و80 قطعة مدفعية مقطورة، و84 راجمة صواريخ. وتوفر المدفعية المتحركة قدرة على مرافقة الوحدات المدرعة وتقديم الدعم الناري، بينما تتولى المركبات القتالية وناقلات الجنود نقل المشاة وحمايتهم خلال الحركة.
لكن حجم الأسطول لا يعفي القوات البرية الأردنية من تحديات مرتبطة بتفاوت أعمار المعدات وتكاليف صيانتها، فضلاً عن ضرورة تطوير وسائل مواجهة الصواريخ المضادة للدروع والطائرات المسيّرة وتحسين الاستطلاع والاتصالات. ومن هنا، ترتبط فاعلية القوة الأردنية بمدى نجاحها في الموازنة بين صيانة المنصات القائمة وإدخال تجهيزات أكثر ملاءمة لطبيعة التهديدات الحديثة.
4المغرب..تحديث المدرعات وتعزيز قوة المدفعية
يواصل المغرب تطوير قدراته البرية من خلال تحديث الدبابات والمركبات القتالية وتوسيع إمكانات الإسناد الناري. وتضع بيانات «غلوبال فاير باور» لعام 2026 القوات المسلحة الملكية ضمن أبرز القوى البرية في المنطقة، بنحو 1346 دبابة و17594 مركبة مدرعة.
ويضم الأسطول المغربي دبابات «إم 1 أبرامز» الأمريكية، إلى جانب طرازات مطورة من «إم 60» ودبابات «إم 48» الأقدم. وتمثل «أبرامز» أحد أبرز مكونات جهود التحديث، بفضل مدفعها عيار 120 ملم وأنظمة التحكم في النيران، وقدرتها على العمل ضمن تشكيلات تجمع الدبابات والمشاة الآلية والاستطلاع والمدفعية.
وفي هذا السياق، تسلم المغرب 222 دبابة من طراز «إم 1 إيه 1 إس إيه» ضمن برنامج عسكري أمريكي اكتملت عمليات تسليم معداته عام 2018، وفق معلومات الجيش الأمريكي. كما وافقت واشنطن في نوفمبر من العام نفسه على صفقة محتملة بقيمة تقديرية بلغت 1.259 مليار دولار لتحديث 162 دبابة أبرامز حصل عليها المغرب سابقاً.
ولا تقتصر عملية التطوير على الدبابات، إذ تبرز المدفعية بوصفها أحد المكونات الرئيسية للقوة البرية المغربية. ويقدر «غلوبال فاير باور» عدد قطع المدفعية ذاتية الحركة بنحو 544 قطعة، والمدفعية المقطورة بنحو 188 قطعة، إلى جانب 185 راجمة صواريخ.
وتتيح هذه القدرات تنويع وسائل الإسناد الناري وتوفير الدعم للتشكيلات المدرعة، سواء خلال التحركات أو عند التعامل مع مواقع وتجمعات عسكرية. كما تزداد أهمية المدفعية في ظل التحولات التي تشهدها ميادين القتال، مع اتساع استخدام الطائرات المسيّرة والذخائر الدقيقة في رصد الأهداف وتحديد مواقعها وتوجيه النيران.
وتتطلب الاستفادة من هذه المنظومات تطوير التنسيق بين الدبابات والمدفعية ووحدات الاستطلاع، وتحسين الاتصالات والقيادة والسيطرة، إلى جانب رفع مستوى التدريب والقدرة على دمج المعدات ذات المصادر المختلفة. فامتلاك منصات متقدمة لا يحقق وحده التفوق الميداني ما لم تتوافر شبكة متكاملة لتبادل المعلومات وتحديد الأهداف وتوفير الحماية والإسناد.
ويمنح الجمع بين دبابات أبرامز والمركبات المدرعة والمدفعية ذاتية الحركة المغرب قاعدة مهمة لتطوير قدراته البرية. غير أن قياس الفاعلية العملياتية يظل مرتبطاً أيضاً بمستوى الجاهزية والصيانة وكفاءة الأطقم ومدى التكامل بين مختلف الوحدات.
5السعودية..منظومات غربية ودعم لوجستي واسع
تستند القوة البرية السعودية إلى أسطول متنوع من الدبابات والمركبات المدرعة ووسائل الإسناد الناري، مدعوماً بعلاقات دفاعية واسعة مع الولايات المتحدة. وتقدر بيانات «غلوبال فاير باور» لعام 2026 عدد الدبابات السعودية بنحو 1085 دبابة، إلى جانب 22370 مركبة عسكرية مدرعة.
وتحتل دبابات «إم 1 إيه 2 إس» أبرامز مكانة أساسية في التشكيلات المدرعة السعودية، إذ تجمع بين مدفع رئيسي عيار 120 ملم وأنظمة متقدمة للرصد والتحكم في النيران والحماية. كما يضم الأسطول دبابات «إم 60»، ما يعني أن القوات البرية تتعامل مع منصات متفاوتة في العمر والتجهيزات والاحتياجات الفنية.
ووفق تقديرات «ذا ميليتري بالانس» لعام 2025، تشغّل القوات البرية الملكية السعودية نحو 575 دبابة من طراز «إم 1 إيه 2 إس» أبرامز. وتبرز أهمية التعاون الدفاعي مع واشنطن في توفير قطع الغيار والذخائر والتدريب والدعم الفني، وهي عناصر تؤثر مباشرة في جاهزية الأسطول واستمرارية تشغيله.
وفي مجال المدفعية، تشير بيانات «غلوبال فاير باور» إلى امتلاك السعودية نحو 380 قطعة مدفعية ذاتية الحركة، و557 قطعة مدفعية مقطورة، و327 راجمة صواريخ. وتوفر هذه المنظومات قدرات متعددة للإسناد الناري، من القصف المدفعي التقليدي إلى إطلاق الصواريخ على أهداف بعيدة نسبياً.
وتتكامل هذه الترسانة مع مركبات الاستطلاع والقيادة وناقلات الجنود ووسائل الإمداد، التي تكتسب أهمية خاصة عند تحريك تشكيلات عسكرية كبيرة عبر مسافات طويلة. فاستمرار العمليات لا يتوقف على القوة النارية وحدها، بل يتطلب أيضاً إدارة فعالة للوقود والذخائر والصيانة والنقل.
وفي ظل التطور المتسارع للطائرات المسيّرة والذخائر الدقيقة والصواريخ المضادة للدروع، يتجه الاهتمام كذلك إلى تحسين الاتصالات والقيادة والسيطرة والتدريب، وتعزيز التنسيق بين القوات البرية والجوية والدفاع الجوي.
وتستند القوة السعودية إلى مزيج من المعدات الغربية والقدرات اللوجستية وبرامج الدعم والتحديث. وتبقى الجاهزية الميدانية وقدرة الوحدات على العمل المشترك من أبرز العوامل التي تحدد مدى تحويل حجم الترسانة إلى قوة قتالية فعالة.
الأرقام وحدها لا تحسم التفوق
تكشف المقارنة بين الجيوش الخمسة عن اختلاف في نقاط القوة: تتقدم مصر في عدد الدبابات والمركبات المدرعة وفق الأرقام الواردة، بينما تتميز الجزائر بترسانة كبيرة يغلب عليها الطابع الروسي. ويحافظ الأردن على أسطول مدرع واسع قياساً بحجم الدولة، في حين يبرز المغرب بحجم مدفعيته ذاتية الحركة، وتستند السعودية إلى مزيج من المعدات الغربية وبرامج الدعم والصيانة.
ومع ذلك، لا تكفي أعداد الدبابات والمدافع والمركبات لتحديد ترتيب شامل للقوة القتالية. فهذه المؤشرات لا تكشف وحدها عدد المعدات الجاهزة فعلياً، أو مستوى تدريب الأطقم، أو كفاءة أنظمة الاستطلاع والاتصالات، أو القدرة على توفير الإمدادات في ظروف العمليات.
كما أن اختلاف مصادر التسليح وأجيال المعدات يفرض تحديات تقنية ولوجستية متفاوتة على كل جيش، بينما باتت الطائرات المسيّرة والذخائر الدقيقة والحرب الإلكترونية عوامل مؤثرة في فاعلية التشكيلات البرية.
وبذلك، لا يرتبط مستقبل القوة البرية العربية بتوسيع المخزون العسكري فقط، بل بقدرة الجيوش على تحديث معداتها، وضمان استدامة تشغيلها، ودمجها في منظومات قيادة واستطلاع وإسناد متكاملة. فالتفوق الحقيقي لا تصنعه الأرقام منفردة، وإنما تحدده الجاهزية والقدرة على توظيف المعدات بكفاءة في الميدان.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك