أنتلجنسيا:أبو فراس
تتسع دائرة الاهتمام الإسباني بالتطور العسكري المغربي مع تسارع برامج تحديث القوات المسلحة وتطوير الطائرات المسيّرة وتعزيز التصنيع الدفاعي المحلي، في تحولات تتجاوز اقتناء الأسلحة إلى بناء قدرات تكنولوجية وصناعية قد تعيد رسم بعض ملامح التوازن العسكري في غرب البحر المتوسط.
وتسلط التطورات المرتبطة بمعرض مراكش للطيران الضوء على هذا المسار، خصوصاً مع الكشف عن مشروع المسيّرة الهجومية «إيريفي»، التي أعلنت الشركة الفرنسية المطورة لها أن مداها يصل إلى 2000 كيلومتر، بالتوازي مع تحديث أسطول المقاتلات وتعزيز التعاون الدفاعي مع شركاء دوليين.
ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمغرب وإسبانيا، إذ لا تتجاوز المسافة الجوية بين الرباط ومدريد نحو 764 كيلومتراً. غير أن دلالة المدى المعلن للمسيّرة لا تتوقف عند المسافة، بل ترتبط بطبيعة المهام التي صممت لتنفيذها، ومدى جاهزية المنظومة، وقدرتها الفعلية على العمل في ظروف عملياتية معقدة.
وكشفت شركة «هارماتان إيه آي» الفرنسية عن منظومة «إيريفي» خلال معرض مراكش الدولي للطيران في أكتوبر 2026، قبل الإعلان عن توقيع خطاب نوايا مع الجانب المغربي لتطويرها واقتنائها وإنتاجها محلياً. ويضع هذا المشروع التصنيع الدفاعي في صلب التحولات الجارية، من خلال السعي إلى نقل جزء من الخبرة الصناعية والتكنولوجية إلى المملكة، بدلاً من الاكتفاء باستيراد المعدات الجاهزة.
وتشير المواصفات التي أعلنتها الشركة إلى أن المسيّرة تنتمي إلى فئة الذخائر الهجومية أحادية الاتجاه، المصممة للوصول إلى الهدف وتنفيذ المهمة دون العودة إلى قاعدة الإطلاق. كما تتضمن المنظومة، وفق المعطيات المعلنة، أنظمة ملاحة ذاتية وتوجيهاً بصرياً يحد من اعتمادها على إشارات الملاحة عبر الأقمار الصناعية، وهي خصائص تكتسب أهمية متزايدة في بيئات القتال التي تتسع فيها استخدامات التشويش والحرب الإلكترونية.
وتظل هذه المواصفات، رغم أهميتها، مرتبطة بما أعلنته الشركة المطورة، في انتظار اتضاح تفاصيل تقنية وتشغيلية أخرى، من بينها الحمولة الفعلية ومدة التحليق والسرعة القصوى والتكلفة وشروط التشغيل. كما أن المدى المعلن لا يعني وحده امتلاك قدرة عملياتية مكتملة، إذ يتوقف ذلك على جاهزية المنظومة ووسائل الدعم والاستطلاع والاتصالات والتخطيط العسكري.
وفي المجال الجوي، يعزز المغرب مسار التحديث من خلال برنامج مقاتلات «إف-16 بلوك 72» الأمريكية، الذي يشمل 25 طائرة مخصصة للقوات الجوية الملكية. وتتميز هذه النسخة بتطويرات في الرادار والإلكترونيات وأنظمة إدارة المعلومات، بما يعزز قدرتها على العمل ضمن منظومات قتالية متكاملة، ويوسع خيارات التخطيط والتنفيذ لدى القوات الجوية المغربية.
وتندرج هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لتحديث القدرات الجوية، لا يقوم على زيادة عدد المقاتلات فحسب، بل يشمل تحسين وسائل الاستشعار وتبادل المعلومات والتنسيق بين مختلف مكونات القوة العسكرية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية دمج الطائرات المأهولة بالمسيّرات وأنظمة الاستطلاع والدعم، بما يتيح بناء منظومة أكثر تكاملاً في جمع المعلومات وتقدير المواقف.
ويمتد التعاون الدفاعي المغربي إلى مجال التسليح الدقيق، بعدما أبرم المغرب اتفاقاً مع مجموعة «إيدج» الإماراتية لتزويد المسيّرات بذخائر من طرازي «ديزرت ستينغ 16» و«ثاندر بي 31». ويعكس هذا التعاون توجهاً نحو توسيع خيارات التسليح المتاحة، وتطوير القدرة على تنفيذ مهام متنوعة باستخدام ذخائر تتلاءم مع طبيعة الأهداف والمنصات المستخدمة.
وعلى المستوى البري، تكشف الخطط المرتبطة بتصنيع أبراج تسليح متطورة للمدرعات ذات الدفع الثماني، وفق ما أوردته تقارير متخصصة، عن اهتمام موازٍ بتطوير قاعدة الإنتاج الدفاعي المحلية. ويعني توسيع هذا النوع من الصناعات أن تحديث القوات المسلحة لم يعد محصوراً في اقتناء المنظومات الأجنبية، بل بات يشمل السعي إلى اكتساب خبرات إنتاجية وتقنية يمكن البناء عليها مستقبلاً.
وتمنح هذه المسارات مجتمعة المشروع العسكري المغربي أبعاداً تتجاوز التحديث التقليدي، إذ يجري العمل على تطوير القدرات الجوية والمسيّرات والذخائر الدقيقة، بالتوازي مع توسيع الشراكات الدولية واستكشاف إمكانات التصنيع المحلي. ويتيح هذا التنوع للمملكة توسيع خياراتها الدفاعية وتقليص بعض أوجه الاعتماد على الخارج، وإن كان تحقيق استقلال صناعي متقدم يتطلب استثمارات مستمرة وخبرات متراكمة وسلاسل توريد مستقرة.
وفي المقابل، تحتفظ إسبانيا بقدرات جوية وبحرية وصناعية معتبرة، وتعتمد على مقاتلات «يوروفايتر تايفون» إلى جانب منظومات عسكرية أخرى، كما تستفيد من عضويتها في حلف شمال الأطلسي. ولذلك، فإن المقارنة بين البلدين لا يمكن اختزالها في مدى مسيّرة أو عدد من المقاتلات، بل تستوجب النظر إلى مجموع القدرات العملياتية والتكنولوجية والاستخباراتية واللوجستية، فضلاً عن طبيعة التحالفات الدفاعية.
وتعيد التحركات البحرية التي شهدتها المنطقة المحيطة بسبتة خلال الصيف الماضي إبراز حساسية المجال البحري بين البلدين، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الجغرافيا والسيادة وإدارة التحركات البحرية. وتؤكد هذه المعطيات أن التطور العسكري في غرب المتوسط يجري داخل بيئة إقليمية معقدة، تتطلب قراءة دقيقة بعيداً عن تضخيم كل حادث أو تحويله إلى مؤشر حاسم على تغير ميزان القوى.
ويكمن التحول الأهم في أن المغرب يسعى إلى توسيع قدرته على اختيار منظوماته الدفاعية وتطوير بعضها محلياً، بما يمنحه هامشاً أوسع في التخطيط والتحديث على المدى الطويل. فامتلاك التكنولوجيا والخبرة الصناعية قد يكون أكثر تأثيراً من مجرد زيادة المشتريات، لأنه يفتح المجال أمام تطوير مستمر للقدرات وتكييفها مع الاحتياجات الوطنية.
وبين تحديث المقاتلات وتطوير المسيّرات وتوسيع التصنيع العسكري، يتجه المغرب إلى بناء قاعدة دفاعية أكثر تنوعاً، في وقت تراقب فيه إسبانيا هذه التحولات ضمن حساباتها الأمنية والإقليمية. غير أن الحديث عن تحول جذري في ميزان القوى يظل رهيناً بما سيتحقق فعلياً على مستوى الإنتاج والتشغيل والجاهزية، لا بالمواصفات المعلنة وحدها؛ فالمعيار الحاسم سيكون قدرة هذه المشاريع على الانتقال من مرحلة الإعلان والتطوير إلى منظومات موثوقة ومندمجة في بنية القوات المسلحة الملكية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك