أنتلجنسيا:أبو فراس
فتح طلب مغربي موجّه إلى الولايات المتحدة لتدريب طيارين من القوات الجوية الملكية على قيادة مقاتلات «إف-35 إيه» الشبحية الباب أمام تساؤلات جديدة بشأن مستقبل التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن، وإمكانية انتقال الاهتمام المغربي بهذه الطائرات المتطورة إلى مرحلة التحضير العملي لاقتنائها، رغم عدم الإعلان حتى الآن عن إبرام أي اتفاق رسمي للشراء.
وكشفت صحيفة «الصحيفة» المغربية، استنادا إلى مصادر وصفتها بالمطلعة، أن المغرب تقدم بالفعل بطلب إلى الجانب الأمريكي للاستفادة من برنامج لتأهيل عدد من طياريه على هذا النوع من المقاتلات، من دون تحديد عدد المستفيدين أو موعد انطلاق التدريب. وأشارت المعطيات نفسها إلى أن برامج التأهيل الخاصة بهذا الصنف من الطائرات قد تستغرق ما بين خمسة وثمانية أشهر، بحسب طبيعة المسار التدريبي ومتطلباته.
ويرتبط هذا التحرك، وفق المصدر ذاته، باهتمام المغرب بالنسخة «F-35A»، المصممة للعمل انطلاقا من القواعد الجوية التقليدية، وهو ما يجعلها ملائمة من الناحية التشغيلية لطبيعة البنية الجوية للقوات المسلحة الملكية، في انتظار اتضاح ما إذا كانت الاتصالات الجارية ستفضي إلى اتفاق بشأن اقتناء هذه المقاتلات.
وجاء تداول هذه المعطيات بعد مشاركة مقاتلتين أمريكيتين من طراز «إف-35 إيه» في عرض جوي احتضنته مراكش خلال افتتاح الدورة الثامنة من المعرض الدولي للطيران، الأسبوع الماضي. وأفادت القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم» بأن الطائرتين نفذتا عرضا فوق قاعدة تابعة للقوات الجوية الملكية بالمدينة، وهما تابعتان للجناح المقاتل الثامن والأربعين التابع لسلاح الجو الأمريكي، والمتمركز في قاعدة لاكنهيث بالمملكة المتحدة.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن إطلاق إجراءات التدريب قبل تسليم الطائرات يظل خيارا ممكنا في حال التوصل إلى صفقة، إذ يمكن أن يشكل التأهيل المبكر جزءا من الاستعدادات المرتبطة بإدخال مقاتلات جديدة إلى الخدمة. غير أن تنفيذ مثل هذا البرنامج يظل رهينا باستكمال الموافقات المطلوبة، وتوفير التمويل اللازم، واحترام الشروط الأمنية والإجراءات المرتبطة بقبول الدول المستفيدة ضمن برامج التدريب الأمريكية.
وفي حال اختار المغرب اقتناء هذه المقاتلات عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية الأمريكية، المعروف اختصارا بـ«FMS»، فمن المحتمل أن يتضمن الاتفاق حزمة لتدريب الطيارين المغاربة، سواء ضمن العقد الأساسي للشراء أو من خلال اتفاق حكومي منفصل يستكمل الجوانب التقنية والتشغيلية للصفقة.
وتبرز قاعدة لوك الجوية بولاية أريزونا الأمريكية ضمن المواقع المحتملة لاستقبال الطيارين المغاربة، بالنظر إلى دورها في تأهيل طياري مقاتلات «إف-35» لصالح القوات الأمريكية والدول الشريكة التي تشغل هذا النوع من الطائرات. ومع ذلك، لم يجر الإعلان عن اختيار رسمي لمركز التدريب أو تحديد جدول زمني خاص بالطيارين المغاربة.
ويعتمد التأهيل على دروس نظرية متخصصة، وتدريبات مكثفة باستخدام أجهزة المحاكاة، إلى جانب اختبارات وتقييمات تسبق الانتقال إلى الطيران الفعلي. وتكتسي المحاكاة أهمية كبيرة في هذا البرنامج، لأن مقاتلة «إف-35» لا تتوفر على نسخة ذات مقعدين تسمح للمدرب بمرافقة الطيار المتدرب داخل قمرة القيادة أثناء الطيران، ما يفرض الاعتماد على وسائل تدريب تقنية متقدمة قبل خوض المراحل العملية.
وسجل معرض مراكش للطيران لسنة 2026 حضورا تقنيا لهذا البرنامج، بعدما قدمت شركة «لوكهيد مارتن» نموذجا تفاعليا لقمرة قيادة المقاتلة، أتاح للزوار والمتخصصين الاطلاع على جوانب من بيئة التشغيل والقيادة والتدريب المرتبطة بالطائرة، التي تعد من أبرز المشاريع العسكرية الأمريكية في مجال الطيران القتالي.
وتستند أهمية «إف-35 إيه» إلى الجمع بين تقنيات التخفي الراداري، وأجهزة الاستشعار المتقدمة، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وقدرات دمج المعلومات القادمة من مصادر متعددة. وتتيح هذه الخصائص للطيار تكوين صورة أكثر شمولا عن المجال العملياتي، بما يساعد على تنفيذ مهام مختلفة، تشمل القتال الجوي والاستطلاع ودعم العمليات الهجومية والتعامل مع منظومات الدفاع الجوي.
وتمنح البصمة الرادارية المنخفضة هذه المقاتلة قدرة على تقليص فرص اكتشافها وتعقبها واستهدافها مقارنة بالطائرات التقليدية، لكن ذلك لا يعني استحالة رصدها، إذ تظل النتائج مرتبطة بطبيعة الرادارات المستخدمة، والظروف العملياتية، ومستوى تطور أنظمة الدفاع الجوي لدى الطرف المقابل.
وترى المصادر التي استندت إليها «الصحيفة» أن دخول هذا النوع من المقاتلات إلى الخدمة لدى القوات الجوية الملكية المغربية، في حال إبرام الصفقة، سيمثل تطورا مهما في القدرات العسكرية للمملكة، خصوصا على مستوى تنفيذ المهام الجوية في بيئات معقدة، وجمع المعلومات، واختراق المجال الجوي الذي تحميه منظومات دفاع متطورة.
وتقدم العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران مثالا على الأدوار التي يمكن أن تؤديها مقاتلات «إف-35» في العمليات الجوية التي تستهدف منظومات الدفاع الجوي. ففي عملية «مطرقة منتصف الليل»، التي نفذتها الولايات المتحدة في 22 يونيو 2025، شاركت أكثر من 125 طائرة أمريكية في الهجوم على ثلاثة مواقع نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، بينما استخدمت القوات الأمريكية أكثر من 75 سلاحا دقيق التوجيه، من بينها 14 قنبلة خارقة للتحصينات من طراز «GBU-57» أطلقتها قاذفات «B-2».
وأكد سلاح الجو الأمريكي، وفق المعطيات التي أوردها المصدر، مشاركة مقاتلات «إف-35 إيه» في مهام استهدفت قمع الدفاعات الجوية المعادية وتأمين مسار القاذفات المشاركة في العملية، فيما أُطلقت نحو 30 ذخيرة لضرب منظومات أرض-جو إيرانية ضمن الحزمة الهجومية.
ولا يقتصر الدور العملياتي لهذه المقاتلات على تنفيذ الضربات المباشرة، بل يشمل أيضا تهيئة الظروف أمام الطائرات الأخرى للتحرك داخل المجال الجوي المعادي، بالاستفادة من تقنيات التخفي وأجهزة الاستشعار وأنظمة الحرب الإلكترونية. ووفقا للتصريحات الأمريكية المنشورة آنذاك، كانت مقاتلات «إف-35» من بين أولى الطائرات التي دخلت المجال الجوي الإيراني خلال العملية، واستهدفت مواقع متعددة لمنظومات صواريخ أرض-جو، من دون تعرضها للنيران المعادية خلال تلك المهمة، بحسب الرواية الأمريكية.
وفي سياق العمليات اللاحقة، أورد بيان للقيادة المركزية الأمريكية بشأن عملية «الغضب الملحمي» سنة 2026 أن القوات الأمريكية والإسرائيلية نفذت أكثر من 13 ألفا و500 ضربة خلال 38 يوما من العمليات الرئيسية، مضيفا أن الهجمات عطلت أو دمرت 82 في المائة من منظومات الصواريخ الإيرانية للدفاع الجوي، وفق التقييم الأمريكي.
وبينما تبرز هذه المعطيات القدرات التي تراهن عليها الدول المشغلة لمقاتلات «إف-35»، فإن الحديث عن انضمامها إلى الأسطول الجوي المغربي يظل مرتبطا بما ستسفر عنه الاتصالات والإجراءات الرسمية، إذ لم يُعلن حتى الآن عن توقيع صفقة اقتناء، كما لم تكشف الجهات المعنية عن تفاصيل نهائية بشأن التدريب المحتمل أو موعد تنفيذه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك