أنتلجنسيا المغرب: أميمة . م
كشف المجلس
الأعلى للسلطة القضائية، في تقريره السنوي برسم سنة 2025، المنشور حديثا بالجريدة
الرسمية، عن تسجيل 154 ألفا و377 قضية طلاق وتطليق بأقسام قضاء الأسرة والمراكز
القضائية خلال السنة الماضية، بزيادة بلغت 4,38 في المائة مقارنة بسنة 2024، وهي
أرقام تعيد النقاش حول وضع الأسرة المغربية والتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي
تواجهها، خاصة في ظل استمرار حضور الطلاق الاتفاقي والتطليق للشقاق بنسب مهمة خلال
السنوات الأخيرة.
وتثير هذه
المعطيات تساؤلات بشأن تأثير السياسات الحكومية المتعاقبة على الاستقرار الأسري،
في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء المالية التي تتحملها الأسر المغربية،
إذ يجد عدد من المواطنين أنفسهم أمام صعوبات متزايدة في توفير متطلبات السكن
والتغذية والتعليم والعلاج، وهي ضغوط قد تنعكس على العلاقات الزوجية، خصوصا عندما
تتراجع القدرة على تدبير المصاريف اليومية وتتحول الخلافات المالية إلى مصدر مستمر
للتوتر داخل الأسرة.
وتبرز البطالة
وضعف الأجور ضمن العوامل التي تستحق النقاش عند تحليل التحولات التي تعرفها الأسرة
المغربية، إذ يواجه عدد من العمال ظروفا مهنية صعبة، تشمل طول ساعات العمل وعدم
الاستقرار الوظيفي وضعف الحماية الاجتماعية في بعض القطاعات، بينما يظل الحد
الأدنى للأجور، بحسب طبيعة النشاط والقطاع، محل نقاش بشأن مدى قدرته على مواكبة
تكاليف الحياة، وهو ما يجعل تحسين الدخل وظروف العمل وتعزيز الحماية من الطرد
التعسفي من القضايا المرتبطة بالأمن الاجتماعي والاستقرار الأسري.
ولا يمكن
إغفال عوامل أخرى قد تزيد من هشاشة الأسرة، من بينها الفقر والأمية وضعف الوعي
بالحقوق والواجبات الزوجية، إلى جانب أزمة السكن وانتشار تعاطي المخدرات وما قد
يترتب عليه من مشكلات صحية واجتماعية، غير أن ربط ارتفاع الطلاق بسبب واحد يظل
تبسيطا لظاهرة معقدة تتداخل فيها الظروف الاقتصادية والنفسية والثقافية والقانونية،
كما أن ارتفاع عدد القضايا المسجلة لا يعني بالضرورة أن جميعها انتهت بحكم نهائي
بالطلاق خلال السنة نفسها.
وفي ظل
التحولات الاجتماعية المتسارعة والانفتاح على ثقافات وأنماط عيش مختلفة، تواجه
الأسرة المغربية تحديا يتمثل في التوفيق بين التغيرات التي يعرفها المجتمع والحفاظ
على التماسك الأسري، بعيدا عن تحميل الانفتاح الثقافي وحده مسؤولية تفاقم الطلاق،
إذ تظل جودة التواصل بين الزوجين والتربية الأسرية والتكافؤ في المسؤوليات والقدرة
على حل الخلافات عوامل أساسية، إلى جانب دور مؤسسات الوساطة والإرشاد الأسري في الحد
من النزاعات قبل وصولها إلى المحاكم.
ويمتد النقاش
إلى مسألة الإنجاب والتحولات الديموغرافية في المغرب، حيث يثير تراجع الخصوبة في
عدد من المجتمعات مخاوف مرتبطة بالشيخوخة وتوازن الأجيال ومستقبل أنظمة التقاعد
والرعاية الاجتماعية، كما أن ارتفاع كلفة تربية الأطفال من تعليم وصحة وسكن يدفع
بعض الأسر إلى تأجيل الإنجاب أو الاكتفاء بعدد محدود من الأبناء، ولذلك فإن تشجيع
الأسر على الإنجاب لا يمكن أن يتحقق بالشعارات وحدها، بل يتطلب سياسات عملية تضمن
فرص العمل والدخل المستقر والسكن اللائق والخدمات الصحية والتعليمية.
إن معالجة
ارتفاع قضايا الطلاق تستدعي مقاربة شاملة تتجاوز تبادل الاتهامات السياسية إلى
دراسة الأسباب الفعلية للظاهرة بالاعتماد على معطيات دقيقة، مع تعزيز برامج الدعم
الاجتماعي وتحسين الأجور وظروف العمل وتوسيع خدمات الوساطة والإرشاد الأسري
ومكافحة العنف والإدمان، كما يتطلب التعامل مع التحولات الديموغرافية توفير بيئة
تسمح للأسر باتخاذ قراراتها بشأن الإنجاب دون خوف من الأعباء المالية، لأن حماية
الأسرة المغربية مسؤولية مشتركة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية والتنمية
الاقتصادية وضمان الكرامة والاستقرار لجميع المواطنين.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك