بقلم:علي تستاوت/خبير في الهندسة المدنية و البناء/باحث في التنمية المستدامة/مدير مكتب للدراسات و الأبحاث بالمغرب/مدير مكتب الخبرة وتقديم الاضرار ببلجيكا/مستشار استراتيجي سابق بالهيئة الدولية للدبلوماسية الموازية/مستشار استراتيجي في عدة مؤسسات ببلجيكا/عضو منتسب في الجمعية الدولية للتنمية والاستدامة (ISDS) – اليابان
لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو قوتها العسكرية أو عدد الاتفاقيات التي توقعها، بل أصبحت المعرفة والعلم والابتكار جزءاً أساسياً من قوة الدولة وقدرتها على التأثير في محيطها والعالم. ومن هنا تبرز الدبلوماسية العلمية كأحد المجالات التي ستزداد أهميتها خلال السنوات المقبلة، لأنها تفتح جسراً بين العلم والعلاقات الدولية، وتجعل من المعرفة وسيلة للتعاون وبناء الثقة وتعزيز مكانة الدول.
خلال الفترة الأخيرة، أتيحت لي فرصة التعمق في هذا المجال من خلال متابعة التكوين الجامعي المفتوح «الدبلوماسية العلمية: الرهانات والآفاق» الذي تقدمه جامعة كوت دازور الفرنسية بشراكة مع الوكالة الجامعية للفرنكوفونية عبر منصة فرنسا للجامعة الرقمية، وقد حصلت على شارة النجاح بعد استكمال التكوين. وقد كانت هذه التجربة بالنسبة لي أكثر من مجرد تكوين إضافي؛ لأنها جعلتني أعيد التفكير في العلاقة بين العلم والدبلوماسية، وفي الإمكانات التي يمكن أن يفتحها هذا المجال أمام المغرب.
فالمغرب اليوم لا يملك فقط موقعاً جغرافياً استراتيجياً، ولا يملك فقط علاقات متينة مع محيطه الإفريقي والعربي والأوروبي، بل راكم أيضاً تجارب مهمة في مجالات متعددة، من الطاقات المتجددة والماء والفلاحة إلى البنية التحتية والبحث والابتكار. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن تحويل هذه الخبرات والمعارف إلى قوة إضافية في العلاقات الدولية؟
هنا تحديداً يمكن للدبلوماسية العلمية أن تلعب دوراً مهماً.
عندما يتعاون باحث مغربي مع باحث من دولة إفريقية حول المياه، أو تعمل جامعة مغربية مع مؤسسة علمية أوروبية على الطاقة المتجددة، أو تشارك مراكز البحث المغربية في إيجاد حلول لتغير المناخ والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي، فنحن لا نتحدث فقط عن تعاون أكاديمي، بل عن بناء جسور طويلة الأمد بين الدول والمجتمعات.
والأهم أن الدبلوماسية العلمية لا تعني أن يحل العالم العلمي محل الدبلوماسية التقليدية، بل أن تصبح المعرفة العلمية عاملاً مساعداً لصناعة القرار وبناء التعاون الدولي. فالعالم يواجه تحديات لا تعترف بالحدود: تغير المناخ، ندرة المياه، الأمن الغذائي، الذكاء الاصطناعي، الطاقة، الصحة، والتنوع البيولوجي. وهذه الملفات تحتاج إلى السياسة، لكنها تحتاج أيضاً إلى العلماء والمهندسين والباحثين والخبراء.
وهنا أرى أن المغرب أمام فرصة حقيقية.
لماذا لا يصبح المغرب منصة إفريقية للتعاون العلمي؟ لماذا لا تتحول جامعاته ومراكز أبحاثه وشركاته المبتكرة إلى جسور تربط إفريقيا بأوروبا والعالم؟ ولماذا لا نستثمر أكثر في الخبرة المغربية المتراكمة في مجالات مثل الماء والطاقة والفلاحة والبنية التحتية، ليس فقط لتطوير حلول داخل المملكة، بل أيضاً للمساهمة في معالجة تحديات القارة الإفريقية؟
إن الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله جعلت من إفريقيا فضاءً أساسياً في السياسة المغربية، وفتحت أمام المملكة مجالات واسعة للتعاون والاستثمار والشراكات. وربما تكون الخطوة المقبلة هي تعزيز هذا الحضور من خلال قوة أخرى لا تقل أهمية: قوة المعرفة.
فالمغرب يستطيع أن يكون جسراً ليس فقط بين الشمال والجنوب، وإنما بين العلم والسياسة، والجامعة والاقتصاد، والبحث العلمي والتنمية، والخبرة المغربية والحاجات الإفريقية.
وفي رأيي، فإن الدبلوماسية العلمية ليست ترفاً أكاديمياً ولا مفهوماً نخبوياً بعيداً عن الواقع. إنها أداة استراتيجية يمكن أن تساعد المغرب على تعزيز حضوره الدولي، وجذب الكفاءات والاستثمارات، وبناء شراكات جديدة، والمساهمة في إيجاد حلول للتحديات التي تواجه إفريقيا والعالم.
لقد دخلنا مرحلة أصبح فيها العالم يتنافس ليس فقط على الموارد والأسواق، بل على العقول والمعرفة والابتكار. والدولة التي تستطيع أن تجمع بين دبلوماسيتها وعلمائها وجامعاتها ومهندسيها ومقاوليها الشباب، ستكون أكثر قدرة على صناعة موقعها في عالم يتغير بسرعة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال هو: هل يحتاج المغرب إلى الدبلوماسية العلمية؟
بل السؤال الحقيقي هو:
كيف نجعل من الدبلوماسية العلمية إحدى الأدوات التي تعزز مكانة المغرب في العالم، وتمنحه دوراً أكبر في صناعة مستقبل إفريقيا؟
المستقبل لا يُبنى بالخطابات وحدها، ولا بالمشاريع وحدها، وإنما بالمعرفة التي تتحول إلى قرار، والبحث الذي يتحول إلى ابتكار، والابتكار الذي يتحول إلى تنمية، والتنمية التي تتحول إلى قوة ومكانة.
وهنا تبدأ قيمة الدبلوماسية العلمية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك