أنتلجنسيا:أبو آلاء
كشفت نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، وفق المعطيات التي نشرها تيار اليسار الجديد المتجدد، عن تراجع انتخابي حاد للتنظيمات اليسارية المغربية، في مؤشر جديد على اتساع الفجوة بين هذه القوى وشرائح واسعة من الناخبين، وعجزها عن تحويل خطابها السياسي والاجتماعي إلى قوة انتخابية قادرة على فرض حضور وازن داخل المؤسسات التمثيلية.
وأبرزت الأرقام الواردة في البيان الصادر بتاريخ 9 أكتوبر الجاري أن التنظيمات اليسارية حصلت مجتمعة على 53 مقعداً، بنسبة 13.4 في المائة، مقابل نحو 708 آلاف صوت فقط، بعدما كانت قد حصدت أكثر من مليون و120 ألف صوت خلال انتخابات 2021، وهو ما يمثل تراجعاً يقارب 37 في المائة من مجموع الأصوات، بالتوازي مع انخفاض حصتها من المقاعد بنسبة 8.6 في المائة مقارنة بالاستحقاق السابق.
وعكست هذه الحصيلة، وفق قراءة التيار، استمرار محدودية الامتداد الانتخابي لليسار المغربي، الذي لم يتمكن من ترجمة حضوره التاريخي في النقاشات السياسية والاجتماعية إلى قاعدة انتخابية أوسع، رغم تصاعد القضايا المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وهي ملفات يفترض أن تشكل مجالاً طبيعياً لتنافس القوى التي تضع العدالة الاجتماعية في صلب مشاريعها السياسية.
وفي المقابل، أعادت هذه النتائج طرح أسئلة جوهرية بشأن قدرة الأحزاب والتنظيمات اليسارية على تجديد خطابها وأساليب اشتغالها، ومدى نجاحها في استقطاب الأجيال الجديدة، خصوصاً في ظل التحولات التي تعرفها علاقة المواطنين بالعمل الحزبي، وتراجع الثقة في الوسائط السياسية التقليدية، واتساع المسافة بين الشعارات المرفوعة والانتظارات اليومية للمواطنين.
ولم يعد التحدي الذي يواجه اليسار المغربي مقتصراً على خسارة الأصوات أو تراجع عدد المقاعد، بل امتد إلى سؤال أعمق يتعلق بجدوى النموذج التنظيمي والسياسي الذي تعتمده مكوناته، ومدى قدرتها على بناء مشروع مشترك يتجاوز التشتت والتنافس الداخلي، ويقدم بديلاً سياسياً واضحاً يستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب.
كما تفرض هذه الحصيلة، في ضوء الأرقام المعلنة، التمييز بين ضعف النتائج الانتخابية وبين غياب التأثير السياسي والاجتماعي بصورة مطلقة؛ فالتراجع في صناديق الاقتراع لا يعني بالضرورة اختفاء المطالب التي يرفعها اليسار، لكنه يكشف عن صعوبة تحويل تلك المطالب إلى ثقة انتخابية مستدامة، وعن الحاجة إلى مراجعة الوسائل التي يجري بها تأطير المواطنين والتواصل معهم وإقناعهم بجدوى المشاركة السياسية.
وتضع هذه المؤشرات التنظيمات اليسارية أمام اختبار سياسي حقيقي، عنوانه الانتقال من الاكتفاء بتشخيص الاختلالات إلى مساءلة الذات، وتقييم الحصيلة التنظيمية والانتخابية، والبحث عن أسباب فقدان مئات الآلاف من الأصوات مقارنة بانتخابات 2021، بدل الاكتفاء بإرجاع النتائج إلى عوامل خارجية أو اختلالات مرتبطة بالمنافسة الانتخابية.
وفي المحصلة، لا تكمن دلالة الأرقام المعلنة في حصول اليسار على 53 مقعداً فحسب، بل في خسارته نحو 412 ألف صوت مقارنة بالاستحقاق السابق، بما يجعل التراجع المسجل إنذاراً سياسياً يستدعي قراءة نقدية عميقة لموقع اليسار داخل المجتمع المغربي، ولمدى قدرته على استعادة المبادرة في قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية.
وتبقى الأرقام الواردة في بيان تيار اليسار الجديد المتجدد مدخلاً للنقاش حول مستقبل اليسار المغربي، من دون أن تكفي وحدها لتفسير أسباب التراجع أو تحديد مسؤوليات مكوناته؛ إذ يتطلب ذلك تفصيلاً للنتائج حسب الأحزاب والدوائر الانتخابية، وتحليلاً لمعدلات المشاركة والتصويت، ومقارنة دقيقة بين مختلف مكونات الخريطة السياسية، حتى لا يتحول التشخيص إلى حكم عام يتجاوز ما تسمح به المعطيات المتاحة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك