أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
لم تعد انتظارات المغاربة من الحكومة المقبلة مرتبطة فقط بتغيير الوجوه في المناصب الوزارية أو إعادة توزيع الحقائب بين الأحزاب، بل باتت تتجه أساساً نحو اختبار قدرة السلطة التنفيذية الجديدة على معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي ظلت تؤرق الأسر المغربية، في وقت تتواصل فيه المشاورات التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل حكومة منبثقة عن الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، وسط ترقب شعبي لما إذا كانت المرحلة المقبلة ستؤسس لتحول ملموس في السياسات العمومية أم ستعيد إنتاج الوعود نفسها بصيغ جديدة.
وتجد المنصوري، التي كلفها الملك محمد السادس بتشكيل الحكومة يوم 29 شتنبر الماضي، نفسها أمام مسؤولية سياسية تتجاوز تدبير المفاوضات مع الأحزاب والبحث عن أغلبية برلمانية، لتشمل بناء تصور حكومي قادر على استعادة ثقة المواطنين في العمل السياسي، والاستجابة لمطالب اجتماعية واقتصادية أصبحت تشكل محور النقاش العمومي، خصوصاً في ظل اتساع الفجوة بين تطلعات فئات واسعة من المجتمع والنتائج التي تلمسها في حياتها اليومية.
وتتصدر القدرة الشرائية قائمة الملفات التي ينتظر المغاربة أن تحظى بالأولوية في البرنامج الحكومي الجديد، بالنظر إلى الضغط الذي تمارسه نفقات الغذاء والسكن والنقل والطاقة والخدمات الأساسية على ميزانيات الأسر، وما يرافق ذلك من شعور بأن المداخيل لا تواكب دائماً تكاليف الحياة. ولا يتعلق الرهان هنا بإطلاق تصريحات عامة عن محاربة الغلاء، بل بوضع تدابير قابلة للقياس، تحدد المستفيدين منها وآجال تنفيذها ومصادر تمويلها، مع مراقبة الأسواق والتصدي للممارسات التي تضر بالمستهلكين، وضمان وصول الدعم إلى الفئات التي تحتاج إليه فعلاً.
ويبرز التشغيل باعتباره أحد الاختبارات الأكثر إلحاحاً أمام الحكومة المنتظرة، خصوصاً مع استمرار صعوبة الولوج إلى سوق العمل بالنسبة إلى الشباب وحاملي الشهادات، إلى جانب معاناة أشخاص يشتغلون في أنشطة غير مستقرة أو بأجور لا توفر لهم الحد المطلوب من الأمان الاجتماعي. ولن يكون كافياً أن تتحدث الحكومة عن استقطاب الاستثمارات أو تحسن المؤشرات الاقتصادية ما لم ينعكس ذلك على خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة، والحد من هشاشة الشغل، وتطوير التكوين المهني بما يتلاءم مع حاجيات المقاولات والقطاعات المنتجة.
وتزداد أهمية هذا الملف بالنظر إلى أن البطالة لا تمثل مشكلة اقتصادية فحسب، بل تمتد آثارها إلى الاستقرار الأسري والثقة في المؤسسات والإحساس بالإنصاف وتكافؤ الفرص. ومن ثم، سيكون مطلوباً من الحكومة المقبلة أن توضح كيف ستنتقل من الأهداف العامة إلى برامج عملية تتيح للشباب اكتساب المهارات المطلوبة، وتيسر ولوجهم إلى الوظائف، وتشجع المبادرات المقاولاتية الصغيرة، وتحد من الفوارق في فرص العمل بين المدن والمناطق القروية.
وتتقدم الصحة بدورها إلى واجهة الانتظارات الشعبية، في ظل حاجة المواطنين إلى خدمات عمومية أكثر جودة، ومواعيد طبية معقولة، وتوفير الأدوية والتجهيزات والأطر الصحية، وتقليص الفوارق بين المؤسسات الاستشفائية في المدن الكبرى وتلك الموجودة في المناطق البعيدة. فإصلاح المنظومة الصحية لن يقاس فقط بعدد المشاريع المعلنة أو المستشفيات التي يجري بناؤها، وإنما بقدرة المواطن على الحصول على العلاج في الوقت المناسب، دون أن تتحول تكاليف المرض إلى عبء يهدد استقرار الأسرة المالي.
ويضع هذا التحدي الحكومة أمام ضرورة الجمع بين توسيع التغطية الصحية وتحسين جودة الخدمات وتعزيز الموارد البشرية، مع معالجة الاختلالات التي تجعل بعض المواطنين يلجؤون إلى القطاع الخاص رغم محدودية إمكاناتهم. كما أن نجاح أي إصلاح صحي يظل رهيناً بتوفر الأطر الطبية والتمريضية، وتحسين ظروف عملها، وتوزيعها بشكل أكثر عدالة بين الجهات، وضمان أن تكون حقوق المرضى في صلب السياسات المتخذة.
ويأتي التعليم في مقدمة القطاعات التي تنتظر الأسر أن تشهد تحولاً فعلياً، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بمستقبل الأبناء وبقدرة المجتمع على تحقيق الحراك الاجتماعي. وتتمثل الأولوية في تحسين التعلمات الأساسية، والحد من الهدر المدرسي، ومعالجة الاكتظاظ، وتوفير ظروف مناسبة للتمدرس، وتقوية مكانة المدرسة العمومية حتى لا يصبح مستوى التعليم الذي يحصل عليه الطفل مرتبطاً أساساً بالقدرة المالية لأسرته. كما يظل إصلاح الجامعة والتكوين المهني ضرورياً لتقليص الفجوة بين الشهادات ومتطلبات سوق العمل.
وتفرض هذه الملفات على الحكومة المقبلة تجاوز المقاربة التي تختزل الإصلاح في تغيير المناهج أو الإعلان عن برامج جديدة، نحو تقييم مستمر لما يتحقق داخل الفصول الدراسية والمؤسسات التعليمية. فالمواطن لا ينتظر فقط خططاً استراتيجية طويلة الأمد، بل يريد أن يرى تحسناً ملموساً في مستوى التعليم الذي يحصل عليه أبناؤه، وأن يطمئن إلى أن سنوات الدراسة ستمنحهم فرصاً أفضل في الاندماج المهني والاجتماعي.
وتتسع دائرة الانتظارات لتشمل السكن اللائق ومحاربة الهشاشة، إذ تواجه فئات من الشباب والأسر صعوبات في اقتناء مساكن تتناسب مع مداخيلها، فيما تحتاج مناطق عديدة إلى خدمات أساسية وبنيات تحتية تقلص الفوارق المجالية. وسيكون على الحكومة أن توازن بين تشجيع الاستثمار العقاري والاستجابة للحاجة الاجتماعية إلى السكن، مع تقييم البرامج القائمة ومدى وصولها إلى الفئات المستهدفة، وتفادي أن تتحول المساعدات العمومية إلى إجراءات لا تنعكس بالقدر الكافي على القدرة الفعلية للمواطنين على السكن.
وتتجه الأنظار أيضاً إلى العالم القروي والمناطق التي ما زالت تعاني ضعفاً في التجهيزات والخدمات، خصوصاً في ما يتعلق بالطرق والماء الصالح للشرب والصحة والتعليم وفرص الشغل. فالتنمية لا يمكن أن تظل محصورة في المراكز الحضرية الكبرى، كما أن معالجة الهجرة من القرى نحو المدن لا تتحقق بالخطابات وحدها، بل تحتاج إلى استثمارات منتجة وخدمات قريبة من السكان، وسياسات تراعي خصوصيات كل جهة وتمنح الجماعات المحلية إمكانات أكبر للقيام بأدوارها التنموية.
ويحتل ملف الماء والأمن الغذائي موقعاً متزايد الأهمية ضمن التحديات التي ستواجه الحكومة الجديدة، في ظل الضغوط المناخية وتوالي فترات الجفاف وتأثيرها في النشاط الفلاحي ومداخيل الأسر القروية. وسيكون المطلوب تطوير تدبير الموارد المائية، وتسريع المشاريع التي تضمن التزود بالماء، وتحسين كفاءة استعماله في الفلاحة والأنشطة الاقتصادية، مع حماية التوازن بين حاجيات السكان ومتطلبات الإنتاج. كما يستدعي الأمر سياسات فلاحية أكثر قدرة على مواجهة التقلبات المناخية وتقليص هشاشة صغار الفلاحين.
وتواجه المنصوري، في الجانب السياسي، تحدياً لا يقل أهمية عن الملفات الاجتماعية، يتمثل في تشكيل أغلبية منسجمة قادرة على تنفيذ برنامج واضح، وليس مجرد تجميع حسابي للمقاعد البرلمانية. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج انتخابات 23 شتنبر بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395، وهو عدد بعيد عن الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً، ما يجعل نجاح المفاوضات مرتبطاً بقدرة القيادة الحكومية على التوفيق بين مطالب الأحزاب المشاركة وأولويات البرنامج الحكومي.
وتكشف هذه المعادلة أن المفاوضات لا تتعلق فقط بتوزيع الحقائب الوزارية أو تحديد مواقع الأحزاب داخل الأغلبية، بل بتوفير الحد الأدنى من الانسجام السياسي حول الإصلاحات الكبرى. فكلما تحولت المشاورات إلى سباق للحصول على المواقع والمناصب، ازدادت المخاوف من أن يأتي البرنامج الحكومي محكوماً بالتوازنات الحزبية أكثر من استجابته للحاجات الفعلية للمواطنين. أما إذا تأسست الأغلبية على أولويات متفق عليها والتزامات قابلة للتقييم، فقد يشكل ذلك مدخلاً لتقوية الاستقرار الحكومي وربط المسؤولية بالنتائج.
ويظل الرهان الأكبر أمام رئيسة الحكومة المكلفة هو تحويل البرنامج الانتخابي لحزبها إلى التزامات حكومية واضحة، خصوصاً أن البرنامج المعلن للفترة 2027-2031 يتضمن تعهدات تتعلق بالقدرة الشرائية وإدماج الشباب والمواطنة والأمن والنمو والاستدامة، إلى جانب تقدير مالي إجمالي للبرامج المقترحة. غير أن أهمية هذه التعهدات لن تتحدد بحجم الأرقام المعلنة وحده، بل بمدى وضوح مصادر التمويل، ودقة الجدول الزمني، وقدرة القطاعات الحكومية على التنفيذ، ووجود آليات مستقلة وفعالة لتقييم النتائج.
وتنتظر فئات واسعة من المغاربة كذلك أن تتعامل الحكومة الجديدة بجدية مع مسألة الثقة في المؤسسات، من خلال تعزيز الشفافية في تدبير المال العام، وتيسير الحصول على المعلومات، ومحاربة تضارب المصالح والفساد، وتحسين علاقة الإدارة بالمواطنين. فالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي يفقد جزءاً من أثره عندما يشعر المواطن بأن الولوج إلى الخدمات والفرص لا يخضع دائماً لمعايير واضحة، أو أن المساءلة لا تطال المسؤولين بالقدر نفسه الذي يتحمل فيه المواطن تبعات القرارات والسياسات.
وتبرز من هنا أهمية ربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس باعتبارها شعاراً دستورياً فقط، بل كآلية عملية تتيح للمواطن معرفة ما تعهدت به الحكومة، وما أنجزته، وما تعثر، ولماذا. ومن شأن نشر مؤشرات دورية عن تنفيذ البرنامج الحكومي، وتحديد المسؤوليات والآجال، وتقديم تفسيرات واضحة عند الإخفاق، أن يمنح العمل الحكومي قدراً أكبر من المصداقية، وأن يحول الوعود الانتخابية من مادة للاستهلاك السياسي إلى التزامات يمكن تقييمها ومساءلة أصحابها بشأنها.
وتفرض هذه المطالب على الحكومة المقبلة أن تمنح الشباب مكانة مركزية في سياساتها، لا من خلال الخطاب الموجه إليهم فقط، بل عبر إشراكهم في صياغة الحلول والاستماع إلى مشكلاتهم في التشغيل والتعليم والسكن والثقافة والمشاركة السياسية. كما أن ضعف المشاركة الانتخابية، التي بلغت نحو 38 في المائة وفق النتائج المعلنة، يسلط الضوء على ضرورة معالجة أسباب العزوف وتعزيز الإحساس بأن المشاركة السياسية قادرة على إحداث فرق في الحياة اليومية للمواطنين.
وتتجاوز مسؤولية الحكومة المقبلة حدود التدبير القطاعي لتشمل بناء رؤية تنموية متوازنة، تجمع بين تحفيز الاستثمار وحماية الفئات الهشة، وبين تحسين المؤشرات الاقتصادية وضمان توزيع أكثر إنصافاً لثمار النمو. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات العمومية بمعدل النمو وحده، بل بما إذا كان هذا النمو يتيح له عملاً مستقراً، ودخلاً كافياً، وخدمات صحية وتعليمية جيدة، وسكناً لائقاً، وإحساساً بأن الفرص متاحة على أساس الكفاءة والاستحقاق.
وتبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في الكشف عن طبيعة الأغلبية التي ستقود المرحلة الجديدة، وعن قدرة فاطمة الزهراء المنصوري على الجمع بين مطالب الشركاء السياسيين والتحديات التي تنتظر الحكومة منذ يومها الأول. فالتفاوض على تشكيل الحكومة يمثل مرحلة ضرورية في المسار الدستوري، لكنه لا يشكل في حد ذاته إنجازاً اجتماعياً أو اقتصادياً؛ إذ تبدأ المحاسبة الفعلية عندما تتضح تركيبة الفريق الحكومي، ويُعرض برنامجه، وتتحول التعهدات إلى قرارات وميزانيات ومشاريع تصل آثارها إلى المواطنين.
وفي المحصلة، لا ينتظر المغاربة حكومة جديدة بالاسم فقط، ولا يراهنون على رمزية وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة بقدر ما يتطلعون إلى أن تتحول هذه اللحظة السياسية إلى فرصة لإحداث تغيير ملموس في أساليب التدبير وأولويات القرار. وستُقاس حصيلة حكومة المنصوري بقدرتها على تخفيف أعباء المعيشة، وتوسيع فرص الشغل، وتحسين الصحة والتعليم، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز النزاهة والشفافية. أما إذا ظلت الوعود أكبر من النتائج، فإن تغيير الأسماء والتحالفات لن يكون كافياً لإقناع المواطنين بأن صفحة جديدة قد فُتحت فعلاً في الحياة السياسية المغربية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك