أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء
تمر التنمية بجهة سوس ماسة بنفق مظلم جراء استفحال شبكات المصالح التي باتت
تتخذ من التسيير الترابي مضماراً للاغتناء السريع وتدبير النفوذ، إذ لم يعد الأمر
يقتصر على أخطاء تدبيرية عابرة أو تجاوزات فردية معزولة، بل يتعداه إلى منظومة
متكاملة الأحكام يعتمد فيها بعض أصحاب "القباعات المتعددة" على مواقعهم
النافذة داخل التشكيلات المنتخبة – من مقاعد البرلمان إلى مسؤوليات الجماعات
الترابية والمجالس الإقليمية والجهوية – لنسج شباك السيادة على الموارد العمومية
والتحكم المطلق في مساراتها.
وترتكز هذه الممارسة على آلية محبوكة بدقة تسمح باستغلال النفوذ
المزدوج لربط الاتصال بالقطاعات الحكومية واقتناص الغلافات المالية والبرامج
الاستثمارية، قبل توجيهها نهاراً جهاراً نحو دوائر نفوذ محددة؛ فعندما تتجمع
صلاحيات الاقتراح، والتصديق، والصرف لدى أطراف مترابطة المصالح، تُشل أدوات
التفتيش الداخلي وتفقد مساطر الحكامة جوهرها القانوني، حيث تُصاغ دفاتر الشروط
والتحملات بعناية فائقة لتجعل الفوز بالصفقات حصراً على مقاولات محظوظة تدور في
فلك هؤلاء النافذين، فتغدو طلبات العروض مجرد إجراء شكلي لإضفاء الشرعية على
اختيار مسبق مبني على المنفعة المتبادلة.
وفي هذا السياق، تقدم المقاولات المستفيدة، حسب بعض الشهادات
والروايات المتداولة، عمولات سخية وغير مشروعة للوسطاء والموجهين مقابل تمكينها من
هذه الصفقات، مما يقتطع جزءاً كبيراً من الميزانية المخصصة للإنجاز الفعلي قبل حتى
بداية الأشغال، فتنعكس هذه السلسلة من التواطؤات مباشرة على المشهد التنموي
بالمنطقة؛ إذ تجد المقاولات نفسها مضطرة إلى تقليص معايير الجودة والاستعانة
بتموين رديء ومواد أبخس لتعويض ما دفعته من عمولات ولضمان هامش أرباحها، وهو ما
يتجلى في ظهور التصدعات والعيوب الهيكلية على الطرق والمنشآت الفنية والمرافق
العامة بعيد تسليمها، ليتم إهدار أموال إضافية في عمليات الصيانة والترميم
المتكررة لمعالجة اختلالات أصلية تشكل عبئاً متواصلاً على الخزينة العامة.
وأمام هذا الوضع الكارثي الذي يعرقل مسار التنمية بجهة سوس ماسة
ويستنزف مقدرات ساكنتها، أضحت المطالبة بتدخل الجهات القضائية والأجهزة الرقابية
العليا ضرورة ملحة ولا محيد عنها، إذ إن وضع حد لهذه الهندسة يتطلب فتح تحقيقات
موسعة في طريقة توزيع الصفقات العمومية وتتبع أوجه صرف المال العام، مع تفعيل مبدأ
ربط المسؤولية بالمحاسبة بحزم ضد كل من ثبت تورطه في استغلال موقعه للانحراف
بالمسؤولية الانتدابية وتحويلها إلى وسيلة للإثراء غير المشروع على حساب الوطن
والمواطنين.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك