أنتلجنسيا:أبو فراس
في خطاب حاد يحمل رسائل سياسية مباشرة، خرج جمال العسري، الأمين العام لـالحزب الاشتراكي الموحد، بتصريحات قوية أعاد فيها ترتيب أوراق النقاش حول مستقبل النظام السياسي بالمغرب، مؤكداً أن أي حديث عن التوفيق بين الديمقراطية والملكية يظل بلا معنى ما لم يُترجم إلى نموذج واضح يقوم على الملكية البرلمانية.
العسري، الذي كان يتحدث خلال لقاء فكري نظمه منتدى الفكر والمواطنة بالعاصمة الرباط، لم يكتف بطرح تصور نظري، بل ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن التحولات الكبرى التي عرفها المغرب لم تكن يوماً نتاجاً طبيعياً للمؤسسات، بل جاءت دائماً نتيجة ضغط الشارع، في إشارة إلى أن ميزان التغيير الحقيقي يوجد خارج القنوات الرسمية.
وفي قراءة نقدية لواقع تدبير الشأن العام، شدد القيادي اليساري على أن الحكامة التي يُفترض أن تشكل أرضية مشتركة بين مختلف الفاعلين، لا يمكن اختزالها في إجراءات تقنية أو إدارية، بل هي قبل كل شيء ممارسة ديمقراطية تقوم على الشفافية والحرية وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق.
ولم يُخف العسري موقفه من طبيعة التوازنات الحالية، معتبراً أن مفهوم السيادة الشعبية يظل غائباً في الممارسة، رغم كونه المدخل الحقيقي للسيادة الوطنية، التي تقتضي فصل السلطة عن المال وتوزيعاً عادلاً للثروة، وهي شروط قال إنها غير متوفرة بالشكل المطلوب، في ظل غياب آليات فعلية للمساءلة.
وانتقد المتحدث بشدة ما وصفه باستمرار الإفلات من المحاسبة داخل دوائر القرار، مبرزاً أن عدداً من المسؤولين يظلون خارج دائرة المساءلة، في وقت يُفترض فيه أن تكون المحاسبة قاعدة لا استثناء، ما يفرغ مفهوم الحكامة من محتواه السياسي.
وفي تصعيد واضح، أكد أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يتم دون تعديل دستوري عميق يفضي إلى نظام ديمقراطي فعلي، مبرزاً أن “التعايش” بين الملكية والديمقراطية لا يتحقق إلا عبر صيغة برلمانية يكون فيها الملك حكَماً لا فاعلاً تنفيذياً.
كما اعتبر أن الانتخابات، بصيغتها الحالية، لا تعدو أن تكون وسيلة شكلية لا ترقى إلى مستوى الرهانات، مشدداً على أن الهدف الحقيقي هو بناء مغرب قائم على الحرية والكرامة والمساواة، خالٍ من الاعتقال السياسي ومبني على عدالة اجتماعية حقيقية.
وفي تشخيصه لطبيعة الصراع القائم، أوضح العسري أن البلاد تعيش مواجهة بين رؤيتين متناقضتين: الأولى تسعى إلى حصر الحكامة في بعدها الإداري، والثانية تدفع نحو ربطها بالإصلاحات السياسية العميقة وتحقيق السيادة الشعبية.
كما وجّه انتقادات صريحة لمسار الانتخابات، معتبراً أن الإشكال لا يكمن فقط في النتائج، بل في طبيعة الإشراف عليها، داعياً إلى إبعاد وزارة الداخلية عن العملية الانتخابية، وتعويضها بهيئة مستقلة تضمن النزاهة والشفافية.
وفي ختام مداخلته، رفع العسري سقف الخطاب، داعياً مكونات اليسار إلى استعادة روح النضال والعودة إلى الشارع كأداة ضغط أساسية، مؤكداً أن التغيير لا يتحقق دون معارك سياسية حقيقية. كما طالب بإصدار موقف موحد يدعو إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي مقدمتهم معتقلو حراك الريف، إلى جانب الصحفيين والنشطاء، مع الدفع نحو إقرار عفو عام يضع حداً لهذا الملف الشائك.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك