الهيدروجين الأخضر بالمغرب..مشاريع كبرى عالقة قبل البناء حسب دراسة ألمانية حديثة

الهيدروجين الأخضر بالمغرب..مشاريع كبرى عالقة قبل البناء حسب دراسة ألمانية حديثة
بانوراما / السبت 24 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

يصطدم الرهان المغربي على تطوير صناعة الهيدروجين الأخضر بفجوة واضحة بين استقطاب المستثمرين الدوليين والإعلان عن المشاريع من جهة، والانطلاق الفعلي للأشغال الصناعية من جهة أخرى، بعدما ظلت المشاريع الثمانية التي تناولتها دراسة ألمانية حديثة في مرحلة التحضير، وسط تحديات تتعلق بتأمين التمويلات، وضمان الموارد المائية، وتنسيق تدخلات المؤسسات المشرفة على هذا القطاع الواعد.

وتسلط دراسة صادرة خلال أكتوبر الجاري عن المعهد الألماني للتنمية والاستدامة الضوء على تعقيدات الانتقال من الالتزامات الأولية إلى التنفيذ الميداني، رغم ما تحقق من تقدم في اختيار المستثمرين، وإطلاق الدراسات التمهيدية، وتدبير الإجراءات المرتبطة بالعقارات المخصصة لهذه الاستثمارات، بما يعيد إلى الواجهة سؤال قدرة المغرب على تحويل طموحاته في مجال الطاقة النظيفة إلى مشاريع صناعية قائمة.

وتشمل قائمة المشاريع التي رصدتها الدراسة مشروع «الشبيكة 1» الذي تقوده مجموعة «توتال إنرجيز»، ومشروع «وايت ديونز» بمدينة الداخلة، فضلاً عن مشروعي «أورنكس» و«طاقا-موفي»، ومبادرات أخرى ترتبط بمجموعات «ناريفا» و«أكوا باور» وتحالفات دولية تضم شركات صينية. كما تمتد هذه القائمة إلى مشروع «ميلهي» المتعلق بتخزين الهيدروجين تحت الأرض بالقرب من المحمدية، وهو ما يبرز أن الرهان لا يقتصر على إنتاج الهيدروجين فحسب، بل يشمل أيضاً تطوير البنيات التحتية الضرورية لتخزينه وتدبيره.

وأعد الباحث توبياس زومبريغيل هذه الدراسة بالاستناد إلى وثائق رسمية ومنشورات متخصصة ومقابلات مع فاعلين في المجال، بهدف تقييم التداعيات الاجتماعية والبيئية لتطوير صناعة الهيدروجين في المغرب وسلطنة عمان، إلى جانب فحص مدى استعداد المؤسسات المعنية لمواكبة هذه التحولات قبل الانتقال إلى مرحلة الإنجاز الفعلي.

وتعود خلفية هذا المسار إلى المبادرة المغربية لتطوير الهيدروجين الأخضر التي أُطلقت سنة 2024، قبل الإعلان عن اختيار مشاريع ومستثمرين في مارس 2025، في إطار توجه يرمي إلى استثمار المؤهلات الطبيعية للمملكة، ولاسيما موارد الطاقة الشمسية والريحية، لتعزيز موقعها في سوق الطاقة منخفضة الانبعاثات. غير أن مواصلة الدراسات والإجراءات العقارية والتقنية خلال الفترة الماضية لم تفض، وفق ما ترصده الدراسة، إلى دخول المشاريع المعنية مرحلة البناء الصناعي.

وسجلت وزارة الاستثمار، في يونيو الماضي، خطوة جديدة ضمن هذا المسار، بإعلان عقد اجتماعين للجنتي تتبع مشروعي «أورنكس» و«طاقا-موفي» بجهتي الداخلة وادي الذهب والعيون الساقية الحمراء، والمصادقة على المخرجات الأولية للدراسات الجارية. ويؤشر هذا التطور على استمرار التحضير للمشروعين، لكنه لا يعني حسم القرارات الاستثمارية النهائية أو الشروع في تشييد المنشآت المبرمجة.

وتكشف هذه الوضعية أن استقطاب المجموعات الدولية وتخصيص الأراضي لا يكفيان وحدهما لضمان انتقال المشاريع إلى التنفيذ، إذ تظل تعبئة رؤوس الأموال وتأمين شروط التمويل من أبرز المحددات التي تتحكم في مستقبلها. فالصناعة المرتبطة بالهيدروجين الأخضر تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وشبكات متكاملة للطاقة والنقل والتخزين، فضلاً عن أسواق قادرة على استيعاب الإنتاج بأسعار تضمن الجدوى الاقتصادية للمشروعات على المدى الطويل.

وتفرض ندرة المياه تحدياً إضافياً على هذا الطموح، بالنظر إلى اعتماد إنتاج الهيدروجين الأخضر على التحليل الكهربائي للماء، وهي عملية تتطلب توفير موارد مائية إلى جانب الاحتياجات المرتبطة بتشغيل المنشآت الصناعية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مناطق جنوب المملكة التي تواجه ضغوطاً مائية متزايدة، ما يطرح تساؤلات بشأن مصادر المياه التي ستعتمدها المشاريع، ومدى الحاجة إلى إنشاء محطات لتحلية مياه البحر، فضلاً عن كلفة هذه التجهيزات وانعكاساتها البيئية.

وتثير تعددية المؤسسات المتدخلة في هذا القطاع بدورها تحديات مرتبطة بتوزيع المسؤوليات وتنسيق القرارات ومراقبة تقدم المشاريع، خصوصاً في ظل الحاجة إلى وضع آليات واضحة لتتبع الآثار البيئية والاجتماعية، وضمان احترام معايير السلامة والاستدامة. ويصبح هذا الجانب أكثر أهمية كلما اتسع نطاق الاستثمارات وتداخلت أنشطة إنتاج الطاقة وتحويلها وتخزينها ونقلها.

وتضع هذه المعطيات الاستراتيجية المغربية للهيدروجين الأخضر أمام مرحلة حاسمة، عنوانها الانتقال من الإعلان عن الاستثمارات واستقطاب الشركاء إلى استكمال التمويلات واتخاذ القرارات النهائية وإطلاق الأشغال. فنجاح الرهان لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة أو بقيمة المجموعات الدولية المشاركة، بل بمدى قدرة المشاريع على تجاوز العقبات المالية والمائية والمؤسساتية، والتحول إلى منشآت صناعية منتجة قادرة على خلق قيمة اقتصادية مستدامة وتعزيز موقع المملكة في سوق الطاقة العالمية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك