أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
فجّرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان موجة قلق واسعة بعدما حذّرت من المضامين التي يحملها مشروع قانون مهنة المحاماة، معتبرة أنه ينطوي على تراجعات خطيرة تمس جوهر المهنة ورسالتها، وتستهدف بشكل مباشر استقلالية الدفاع، بما يشكل مساسا صريحا بأحد الأعمدة الأساسية لدولة الحق والقانون وضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات.
وفي موقف قوي، أعلن المكتب المركزي للجمعية تضامنه المبدئي وغير المشروط مع هيئات الدفاع بالمغرب ومع عموم المحاميات والمحامين، مؤكدا أن المشروع المطروح يتناقض مع التراكم التاريخي والحقوقي لمهنة المحاماة، ويجردها من دورها الدستوري كشريك أساسي في تحقيق العدالة، محولا إياها إلى مرفق خاضع للوصاية بدل كونها سلطة مستقلة داخل منظومة القضاء.
واعتبرت الجمعية أن النص المقترح يضرب في العمق استقلالية المهنة، من خلال إقرار آليات جديدة للضبط والمراقبة تمس الاستقلال المهني، وتوسيع صلاحيات النيابة العامة ذات الطابع الزجري، مع تشديد العقوبات التأديبية، مقابل تقليص دور النقيب وهيئات الدفاع، بما يشكل تقويضا لمبدأ التنظيم الذاتي للمهنة وحصانة الدفاع.
وسجلت الهيئة الحقوقية أن المشروع يقلص الضمانات القانونية والمؤسساتية التي يفترض أن يتمتع بها المحامي أثناء مزاولة مهامه، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على حق المتقاضين في دفاع فعال ومستقل. كما انتقدت فتح المجال أمام جهات خارج منظومة التقاضي لممارسة حق الانتداب بدل المحامي، وما يحمله ذلك من تهديد لحق المواطن في ولوج منصف ومستنير للعدالة، إضافة إلى تمكين مكاتب أجنبية ذات قوة مالية واقتصادية من احتكار ملفات وقضايا معينة، في ضرب لمبدأ تكافؤ الفرص داخل المهنة.
وأعربت الجمعية عن استنكارها للمقتضيات التي تمس حرية الرأي والتعبير، وتمنع كل أشكال الاحتجاج المهني داخل المحاكم، معتبرة أن ذلك يشكل تراجعا خطيرا عن مكتسبات ديمقراطية وحقوقية راكمها الجسم الحقوقي والمهني عبر عقود من النضال.
وشددت الجمعية على أن هذه التوجهات التشريعية تتعارض بشكل واضح مع المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين المعتمدة دوليا، خاصة تلك الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة بهافانا، والتي تؤكد على ضرورة تمكين المحامين من أداء مهامهم دون ترهيب أو مضايقة أو تدخل غير مبرر، وضمان استقلال تنظيماتهم المهنية، كما تتنافى مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لاسيما الحق في محاكمة عادلة ودفاع مستقل وفعال.
وأكدت الجمعية أن أي إصلاح حقيقي لمهنة المحاماة لا يمكن أن يتم بمعزل عن إشراك المحامين أنفسهم، ولا خارج منطق تعزيز استقلاليتهم وحمايتهم القانونية، معتبرة أن المشروع، بصيغته الحالية، يمثل تراجعا خطيرا عن المكتسبات المهنية والحقوقية، وتهديدا مباشرا لوظيفة الدفاع داخل منظومة العدالة، بما يقوض ثقة المواطنين في القضاء.
وفي ختام موقفها، طالبت الجمعية بسحب مشروع القانون فورا بصيغته الراهنة، وفتح حوار جاد ومسؤول مع الهيئات المهنية الممثلة للمحامين من أجل إعداد قانون ديمقراطي يكرس استقلال المهنة ويعزز دورها الدستوري والحقوقي. كما دعت مختلف القوى الحقوقية والديمقراطية إلى الاصطفاف ضد أي تشريع يمس باستقلال الدفاع، محذرة من أن استهداف المحاماة هو في جوهره استهداف لحقوق المتقاضين، ولمبدأ المساواة أمام القانون، ولأسس دولة الحق والقانون.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك