أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
في الوقت الذي
تتسابق فيه الدول الصناعية الكبرى لتأمين مصادر المعادن الاستراتيجية، وتستثمر
مليارات الدولارات في عمليات التنقيب والاستخراج وإعادة التدوير، تبرز أرقام
صادرات المغرب من الخامات والنفايات المعدنية نحو الاتحاد الأوروبي لتفتح نقاشاً
واسعاً حول كيفية تدبير هذه الموارد، ومدى الاستفادة منها داخل الاقتصاد الوطني،
خصوصاً في ظل الطموحات الرامية إلى تطوير الصناعة المحلية وتقوية السيادة الصناعية
والتكنولوجية للمملكة.
وسجلت صادرات
المغرب من الخامات والنفايات المعدنية إلى الاتحاد الأوروبي ارتفاعاً قياسياً خلال
الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية، بعدما بلغت قيمتها 281,22 مليون يورو،
أي ما يعادل نحو 3,04 مليارات درهم، مسجلة زيادة بنسبة 110,59 في المائة مقارنة
بالفترة نفسها من السنة الماضية، وفق المعطيات الواردة بشأن المبادلات التجارية
الأوروبية، وهو ارتفاع لافت يعيد إلى الواجهة أهمية هذه المواد التي قد لا ينظر
إليها في بعض الحالات سوى باعتبارها مخلفات، رغم ما يمكن أن تحتويه من موارد قابلة
للاسترجاع والتثمين.
وكشفت بيانات
منسوبة إلى المكتب الأوروبي للإحصاء «يوروستات»، جرى تحيينها في 16 أكتوبر الجاري،
أن مشتريات دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين من الخامات والنفايات المعدنية
المغربية ارتفعت بنحو 147,68 مليون يورو، أي ما يقارب 1,6 مليار درهم، بعدما كانت
قد سجلت 133,54 مليون يورو خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت 2025، وتعكس هذه
الأرقام نمواً كبيراً في القيمة المالية للصادرات، غير أن تقييم حجم الثروة
المعدنية التي تغادر البلاد يظل مرتبطاً أيضاً بمعرفة طبيعة المواد المصدرة
وكمياتها وأسعارها في الأسواق الدولية.
وتكمن أهمية
هذه المواد في إمكانية استرجاع معادن متعددة منها، بحسب طبيعة النفايات وتركيبتها،
من قبيل الحديد والنحاس والألمنيوم والفضة وغيرها من المواد التي تدخل في صناعات
مختلفة، تشمل تجهيزات البناء والسيارات والأسلاك الكهربائية والآلات الصناعية
والمعدات الإلكترونية، كما يمكن أن تساهم عمليات الفرز والمعالجة وإعادة التدوير
في خلق فرص عمل جديدة، وتقليص الاعتماد على استيراد بعض المواد الأولية، وتعزيز
القيمة المضافة داخل الاقتصاد المغربي بدل الاكتفاء بتصديرها في صورتها الأولية أو
باعتبارها نفايات قابلة للتثمين.
وتزداد أهمية
هذا النقاش في ظل سعي المغرب إلى تطوير منظومته الصناعية وتوسيع قدراته في مجالات
التكنولوجيا والطاقة والصناعات الثقيلة، فضلاً عن القطاعات المرتبطة بالدفاع
والأمن، التي تتطلب سلاسل إمداد مستقرة ومواد أولية بمواصفات دقيقة، وهو ما يفرض
دراسة إمكانية تخصيص جزء من الموارد المعدنية القابلة للاسترجاع لتلبية حاجيات
المصانع الوطنية، مع مراعاة المعايير التقنية والاقتصادية والبيئية، بدل ترك تدبير
هذه المواد رهيناً بمنطق البيع والتصدير وحده دون تقييم شامل لمنافعها المحتملة
على المدى الطويل.
وأمام هذه
المعطيات، تبرز الحاجة إلى تدخل حكومي قائم على بيانات دقيقة ودراسة استراتيجية
لسوق الخامات والنفايات المعدنية، من خلال تحديد أنواع المواد التي تستحق التثمين
محلياً، وتشجيع الاستثمار في وحدات الفرز والمعالجة وإعادة التدوير، ومراجعة
الإطار التنظيمي للصادرات عند الضرورة، بما يضمن الشفافية ويحارب التهريب
والتبذير، دون اللجوء إلى قرارات عامة قد تضر بالمقاولات الوطنية أو تعطل أنشطة
اقتصادية مشروعة، إذ ينبغي أن يستند أي تقييد للتصدير إلى تقييم واضح لحاجيات
السوق المحلية وقدرات الصناعة الوطنية على الاستفادة من هذه الموارد.
إن الرهان
الحقيقي لا يكمن في وقف تصدير جميع الخامات والنفايات المعدنية بصورة تلقائية، بل
في بناء سياسة صناعية تجعل من هذه المواد مورداً اقتصادياً ذا قيمة مضافة، عبر
تشجيع إعادة التدوير وتطوير الخبرات التقنية وإحداث مشاريع قادرة على تحويل
المخلفات إلى مواد أولية قابلة للاستخدام، فالأرقام المسجلة تطرح سؤالاً مشروعاً
حول ما يربحه المغرب من تصدير هذه المنتجات وما يمكن أن يكسبه من تثمينها محلياً،
وتدعو إلى نقاش وطني مسؤول يوازن بين عائدات التجارة الخارجية ومتطلبات التنمية
الصناعية وحماية الموارد الاستراتيجية للأجيال المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك