أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
كشفت حصيلة الوكالة القضائية للمملكة برسم سنة 2025 عن تحقيق نتائج مالية مهمة لفائدة خزينة الدولة، بعدما ساهمت تدخلاتها في تعبئة موارد بلغت 4.45 مليار درهم، مقابل حصر قيمة الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة في 2.88 مليار درهم، وهو أدنى مستوى يُسجل خلال السنوات الخمس الأخيرة، بالتزامن مع بلوغ نسبة الأحكام الصادرة لفائدة الدولة 71.73 في المائة، متجاوزة الهدف المحدد في مشروع نجاعة الأداء للسنة نفسها، والمقدر بـ64 في المائة.
وأوضح عبد الرحمان اللمتوني، الوكيل القضائي للمملكة، في تقديمه للتقرير السنوي لسنة 2025، أن هذه المؤشرات الأولية تعكس النتائج المحققة في إطار المخطط الاستراتيجي للوكالة للفترة الممتدة بين 2024 و2028، معتبرا أن المكتسبات المرتبطة بهذا البرنامج ستتضح بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة، في ظل مواصلة تطوير آليات تدبير المنازعات والدفاع عن المصالح المالية للدولة.
وأبرز التقرير حصيلة لافتة في مجال استرداد الأموال العمومية، بعدما حصلت الوكالة على أحكام قضائية بإرجاع مبالغ لفائدة الدولة في قضايا الجرائم المالية بقيمة 1.10 مليار درهم، مسجلة ارتفاعا بنسبة 106 في المائة مقارنة بسنة 2024. كما ناهزت القيمة الإجمالية للأحكام المتعلقة باسترجاع الأموال المختلسة وصوائر الدولة 1.11 مليار درهم، مقابل 540 مليون درهم خلال السنة السابقة.
وعزت الوكالة هذه النتائج إلى تكثيف إجراءات البحث عن الأموال والحفاظ على حقوق الخزينة، إذ أنجزت أكثر من 490 مراسلة، من بينها ما لا يقل عن 437 طلبا للبحث عن الذمة المالية، إضافة إلى أزيد من 53 طلبا لاتخاذ تدابير الحجز التحفظي. وشاركت، في السياق ذاته، في 14 اجتماعا للجان الجهوية المكلفة بتتبع تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لفائدة الدولة، بهدف تعزيز استرجاع المستحقات المالية وتنفيذ المقررات القضائية.
وسجلت المعطيات المتعلقة بصوائر الدولة صدور أحكام بقيمة 2.51 مليون درهم، فيما تمكنت الوكالة من استرجاع 2.69 مليون درهم من شركات التأمين لفائدة الخزينة، في إطار الجهود الرامية إلى استعادة الأموال المستحقة للدولة والحد من الأعباء المالية الناتجة عن المنازعات.
وأظهرت المؤشرات المالية أن مجموع المبالغ المطالب بأدائها ضد الدولة خلال سنة 2025 بلغ 6.04 مليار درهم، بينما استقرت قيمة الأحكام الصادرة ضدها عند 2.88 مليار درهم، في مقابل 1.29 مليار درهم قيمة الأحكام الصادرة لفائدتها، لترتفع المبالغ التي ساهمت تدخلات الوكالة في تحقيقها لفائدة الخزينة إلى نحو 4.45 مليار درهم.
وسجلت قيمة الأحكام الصادرة ضد الدولة تراجعا من 3.84 مليار درهم سنة 2024 إلى 2.88 مليار درهم خلال سنة 2025، بانخفاض يقارب 25 في المائة، رغم ارتفاع عدد القضايا المعروضة على الوكالة. وعلى امتداد الفترة الممتدة بين 2021 و2025، بلغ مجموع المبالغ المحققة لفائدة الخزينة حوالي 22.89 مليار درهم، بما يعكس حجم الرهانات المالية المرتبطة بتدبير المنازعات القضائية للدولة.
وامتدت تدخلات الوكالة إلى حماية الممتلكات العامة، حيث استصدرت 435 حكما بالإفراغ في مواجهة المحتلين للمساكن الإدارية والوظيفية، جرى تنفيذ 198 حكما منها. كما صدرت 33 حكما بالتعويض عن الاحتلال غير المشروع، بقيمة إجمالية تناهز 7.35 مليون درهم، في إطار التصدي للاحتلال غير القانوني للأملاك التابعة للدولة واستعادة حقها في استغلالها.
وتكفلت الوكالة، في جانب آخر، بالدفاع عن موظفي الدولة الذين تعرضوا للاعتداء أثناء أداء مهامهم، من خلال تولي 3013 قضية مرتبطة بهذه الوقائع، أسفرت الأحكام الصادرة لفائدة المتضررين عنها عن تعويضات بلغت 7.75 مليون درهم. وفي المقابل، توصلت الوكالة من النيابة العامة بـ2262 متابعة قضائية في حق موظفين تابعين للقطاع العام، فيما بلغت أتعاب المحامين الذين كلفتهم بالدفاع عن مصالح الدولة 9.39 مليون درهم.
وعلى مستوى تسوية الخلافات خارج المساطر القضائية، توصلت الوكالة بـ15 طلبا للتوفيق بين الإدارات العمومية، انصبت أساسا على المنازعات العقارية التي شكلت نحو 33 في المائة من الملفات، تليها الخلافات المرتبطة بأداء المستحقات المالية بنسبة 27 في المائة. وتعكس هذه المعطيات استمرار حضور النزاعات العقارية والمالية ضمن أبرز الملفات التي تتطلب تدخلا لتقريب وجهات النظر بين المؤسسات العمومية.
وسجلت جلسات التوفيق ارتفاعا ملحوظا خلال سنة 2025، بعدما بلغ عددها 56 جلسة، مقابل 30 جلسة خلال سنة 2024. وأسفرت هذه المساعي عن تسوية نهائية في 60 في المائة من الملفات، وتسوية جزئية في 10 في المائة منها، بينما لم تفض نسبة 30 في المائة إلى التوصل إلى حل. وبخصوص لجنة فصل المنازعات، فقد عُرض عليها ملف واحد، في حين صُرفت التعويضات لفائدة طالبيها في ملفين.
واستعرض التقرير، ضمن محور الاجتهاد القضائي، مجموعة من القرارات التي ساهمت في حماية المصالح المالية للدولة وتقليص المبالغ المطالب بأدائها. ومن بين أبرز هذه القرارات، قرار محكمة النقض رقم 634 الصادر بتاريخ 15 ماي 2025، الذي اعتبر الكشف الحسابي النهائي الموقع من دون تحفظ حجة على إبراء ذمة الإدارة، وهو ما أتاح توفير 1.44 مليون درهم، فضلا عن الفوائد القانونية المرتبطة بالمبلغ.
وحققت الوكالة مكسبا ماليا آخر في ملف نزع الملكية، بعدما أصدرت محكمة الاستئناف الإدارية بطنجة، بتاريخ 30 أكتوبر 2025، قرارا بخفض التعويض المحكوم به من 95.27 مليون درهم إلى 56.41 مليون درهم، أي بفارق بلغ 38.86 مليون درهم، في نتيجة تعكس أهمية الترافع القانوني في مراجعة التعويضات التي تتحملها الدولة.
وشهد ملف آخر إلغاء محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط حكما ابتدائيا كان قد ألزم الدولة بأداء 45.78 مليون درهم تعويضا عن اعتداء مادي، بسبب عدم تصفية الوضعية القانونية للعقار المعني. وتنازلت المدعية لاحقا عن دعواها الجديدة، بعدما قدمت الوكالة ما يثبت دخول العقار ضمن الملك الخاص للدولة، الأمر الذي ساهم في تفادي مطالبة مالية إضافية على الخزينة.
وكرس الاجتهاد القضائي، بحسب التقرير، توجها آخر يتعلق بمسؤولية الدولة عن المشاريع الممولة في إطار قروض الشباب، إذ رفضت المحكمة تحميل الإدارة تبعات فشل هذه المشاريع استنادا إلى القانون رقم 36.87. كما حسمت محكمة النقض مسألة تطبيق مرسوم 12 يوليوز 2016 على التعويضات المرتبطة باستقالة الأطباء، في إطار توضيح القواعد القانونية المؤطرة لهذا النوع من المنازعات.
ورغم النتائج المسجلة، توقف التقرير عند مجموعة من الإشكالات التي لا تزال تؤثر في تدبير المنازعات وتحمل الدولة أعباء مالية إضافية، من بينها اختلاف الأسس المعتمدة في تقدير التعويضات عن الاعتداء المادي على العقارات. وأشار في هذا الصدد إلى لجوء بعض الأحكام إلى احتساب قيمة العقار بتاريخ إنجاز الخبرة أو رفع الدعوى، بدلا من اعتماد قيمته عند تاريخ وضع اليد عليه، وهو ما قد يفضي إلى تضخم التعويضات المطالب بأدائها.
ونبهت الوكالة، أيضا، إلى إشكالية تحميل الإدارة مسؤولية حوادث تقع داخل أوراش الأشغال، رغم أن المادة 28 من دفتر الشروط الإدارية العامة المطبق على صفقات الأشغال تسند المسؤولية إلى المقاول. كما أثار التقرير مسألة تحمل الدولة الحصة الأكبر من التعويضات المرتبطة بالحوادث المدرسية، على الرغم من وجود اتفاقية للضمان المدرسي، بما يطرح تحديات بشأن توزيع المسؤوليات المالية والقانونية بين الأطراف المعنية.
وسلط التقرير الضوء كذلك على انعكاسات الصياغات غير الدقيقة أو الفضفاضة لبعض اتفاقيات الاستثمار، وضعف آليات الرصد المبكر للمنازعات، فضلا عن تأخر بعض الإدارات في الرد على مراسلات الوكالة أو التفاعل مع مبادرات التوفيق التي تقترحها. وتحد هذه الاختلالات من فرص احتواء الخلافات في مراحلها الأولى، وتزيد احتمال انتقالها إلى القضاء وما قد يترتب عن ذلك من تكاليف وتعويضات.
وتؤكد حصيلة سنة 2025 أن حماية المال العام لا ترتبط فقط بنتائج الأحكام القضائية، بل تشمل كذلك فعالية استرداد المستحقات، وصون الممتلكات العمومية، وتطوير آليات التسوية الودية، وتعزيز التنسيق بين الإدارات. وفي المقابل، يبرز التقرير أن تحسين تدبير المنازعات يظل رهينا بمعالجة الاختلالات القانونية والإدارية التي تتسبب في نشوء النزاعات أو تعرقل تسويتها قبل وصولها إلى المحاكم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك