أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
في سنة 2012،
تداولت واقعة عن موقف طريف للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، حين كان يتولى
رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، أقوى دولة في العالم، وتحدثت الواقعة عن طلب
موظفة مكلفة بمراقبة هويات الوافدين إلى أحد المرافق العمومية منه الإدلاء ببطاقة
هويته قبل الدخول، فما كان منه، وفق هذه الرواية، إلا أن أخرج البطاقة من جيبه
وسلمها إليها بابتسامة، دون أن يعتبر منصبه سبباً للإعفاء من الإجراء، وهي صورة
تختزل معنى احترام المؤسسات حين لا تتحول المكانة السياسية إلى امتياز يعطل
القواعد العامة، مع الإشارة إلى أن تفاصيل هذه الحكاية تحتاج إلى مصدر موثوق
للتحقق من صحتها قبل التعامل معها كواقعة تاريخية مؤكدة.
هذه الصورة
المتداولة تضعنا أمام سؤال مؤلم بشأن ما جرى في المغرب وفق المعطيات المنشورة عن
خلاف بين شرطي ومسؤول بجهة الرباط سلا القنيطرة، بعدما أوقف رجل الأمن سيارة تابعة
للولاية وطلب من سائقها الإدلاء بوثائقها في إطار المراقبة المرورية، قبل أن يتطور
الأمر إلى نقاش أعقبه اتصال بالمسؤولين الأمنيين وفتح بحث إداري انتهى، بحسب
الرواية المتداولة، بإحالة الشرطي على المعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة، وهنا يبرز
التناقض الذي يستحق النقاش، فإذا كان طلب الوثائق إجراءً قانونياً عادياً، فلماذا
يتحول التعامل مع سيارة مرتبطة بمسؤول إلى واقعة تستدعي كل هذا الاهتمام الإداري.
إن المقارنة
بين صورة أوباما وهو، بحسب الرواية المتداولة، يستجيب لطلب التحقق من هويته وبين
قضية الشرطي المغربي ليست مقارنة بين دولتين أو شخصين بقدر ما هي مقارنة بين
مبدأين في تدبير السلطة، مبدأ يعتبر المنصب مسؤولية لا تعفي صاحبه من الإجراءات،
ومبدأ يخشى الناس أن يكون فيه مجرد الاحتكاك بمسؤول سبباً في تعقيد الوضع المهني للموظف
الذي يؤدي واجبه، فالمسؤول العمومي، مهما علت مكانته أو اتسعت صلاحياته، لا ينبغي
أن يعتبر طلب وثائق السيارة إهانة شخصية، لأن المراقبة المرورية لا تستهدف كرامة
أحد بل ترمي إلى تطبيق قواعد السير وضمان سلامة الجميع.
وإذا كان
المسؤول المعني قد اعتبر طريقة تعامل الشرطي غير لائقة، فإن الطريق السليم هو عرض
الوقائع على الجهات المختصة لتقييمها بصورة محايدة، لا أن تتحول مكانة المسؤول إلى
عامل يثير الشكوك بشأن مصير رجل الأمن، فكما يحق للمسؤول أن يشتكي إذا اعتقد أنه
تعرض لسوء معاملة، يحق للشرطي أيضاً أن يحظى بضمانات تحميه من أي تأثير غير مشروع
وأن يتم الاستماع إليه في ظروف عادلة، ولا يجوز الجزم بأن الإحالة على المعهد
الملكي للشرطة عقوبة انتقامية قبل ظهور نتائج البحث، لكن من حق الرأي العام أن
يطالب بتوضيح أسباب القرار والأساس المهني والقانوني الذي استند إليه.
إن الدرس الذي
تطرحه حكاية أوباما، بصرف النظر عن الحاجة إلى التثبت من تفاصيلها، هو أن هيبة
المسؤول لا تتناقض مع احترام الإجراءات، بل تتعزز عندما يتقبلها دون استثناء،
ولذلك فإن المسؤول الذي يتحمل أمانة تدبير الشأن العام مطالب بأن يكون قدوة في
احترام القانون وألا يجعل من صفته سبباً في التشكيك في حق موظف الأمن في أداء
مهامه، كما أن الدولة مطالبة بحماية رجال الأمن الذين يطبقون القانون بحسن نية،
لأن الشرطي لا يمكن أن يراقب الطريق بكفاءة إذا كان مضطراً إلى التفكير في هوية
صاحب السيارة قبل التفكير في سلامة الإجراء القانوني الذي يقوم به.
ومن هنا فإن
القضية لا ينبغي أن تنتهي بتبادل الاتهامات أو إطلاق أحكام نهائية قبل اكتمال
التحقيق، بل يجب أن تكون مناسبة لتأكيد أن الجميع متساوون أمام القانون، وأن أي
خلاف بين مسؤول وشرطي ينبغي أن يحسم بالأدلة والمساطر المهنية لا بالنفوذ أو الانطباعات
الشخصية، فإذا ثبت أن الشرطي التزم القانون ولم يتجاوز صلاحياته، فإن رد اعتباره
وإعادته إلى عمله وفق المساطر المعمول بها يصبحان مطلبين مشروعين، وإذا ثبت خلاف
ذلك، وجب تحديد مسؤوليته على أساس أدلة واضحة ومعايير تطبق على الجميع دون تمييز.
إن المغرب الذي
يطمح إلى ترسيخ دولة المؤسسات يحتاج إلى مسؤولين يرون في احترام القانون مصدر قوة
لا تهديداً للمكانة، وإلى إدارة أمنية تضمن أن الموظف الذي يؤدي واجبه لن يصبح
الحلقة الأضعف لمجرد أن الطرف الآخر صاحب منصب، فكما تبرز الصورة المتداولة
لأوباما معنى التواضع أمام الإجراءات العامة، تفرض قضية الشرطي المغربي ضرورة
حماية استقلالية تطبيق القانون وضمان الإنصاف لكل الأطراف، لأن المطلوب ليس إدانة
مسؤول لمجرد تداول رواية إعلامية، بل مساءلة كل تصرف تثبت مخالفته للقواعد، ورد
الاعتبار لكل موظف يثبت أنه تعرض للضرر بسبب أدائه واجبه.
والسؤال الذي
ينبغي أن يبقى في صلب النقاش هو هل يحق للشرطي أن يطلب وثائق أي سيارة في إطار
اختصاصه دون أن يكون مطالباً بمعرفة صفة صاحبها أولاً، والجواب من حيث المبدأ أن
المراقبة يجب أن تخضع للقانون والاختصاصات المهنية لا للأسماء والمناصب، أما
تفاصيل هذه الواقعة فتحتاج إلى توضيح رسمي ونتائج موثوقة، وإذا ثبت أن رجل الأمن
لم يفعل سوى أداء مهمته، فمن واجب الجهات المعنية إنصافه ورد اعتباره، لأن القانون
الذي لا يحمي الموظف حين يطبقه على صاحب النفوذ يفقد جزءاً من ثقة المواطنين، ولأن
المسؤولية تكليف لخدمة الناس وليست حصانة فوق القانون.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك