أنتلجنسيا:أبو جاسر
دق تقرير أمني أمريكي ناقوس الخطر بشأن تنامي الروابط العابرة للحدود التي تربط التنظيمات الجهادية الناشطة في منطقة الساحل بجنوب أوروبا، محذراً من تطور شبكة لوجستية يشتبه في استغلالها لاستقطاب المقاتلين وتمويل الأنشطة المتطرفة وتسهيل الانتقال بين بؤر النزاع والبلدان الأوروبية، مع إبراز الموقع الذي يحتله المحور المغربي الإسباني ضمن هذه التحولات الأمنية.
وأبرز تقرير نشره موقع «لاوفير» الأمريكي المتخصص في قضايا الأمن القومي، يوم 18 أكتوبر 2026، تحت عنوان «التهديد المتصاعد لتنظيم الدولة الإسلامية لأوروبا والغرب»، أن تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية الساحل لم يعد، وفق قراءة معدي التقرير، مجرد تنظيم مسلح يركز عملياته على مناطق نفوذه في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بل باتت تحركاته تطرح تحديات تتجاوز حدود المنطقة، في ظل مؤشرات على سعيه إلى تطوير قدراته المرتبطة بالعمليات الخارجية وتعزيز صلاته بشبكات تنشط في شمال إفريقيا وأوروبا.
واعتبر التقرير، الذي أعده لوكاس ويبر وبيتر سميث وكولين كلارك، أن استمرار التعامل مع الاضطرابات الأمنية في الساحل باعتبارها أزمة بعيدة عن المجال الأوروبي قد يفضي إلى تداعيات مباشرة على أمن الدول الأوروبية، داعياً إلى مراجعة أولويات مكافحة الإرهاب وتعزيز التنسيق الاستخباراتي بين الدول المعنية، وفي مقدمتها المغرب وإسبانيا، بالنظر إلى موقعهما الجغرافي وصلاتهما الأمنية في غرب البحر الأبيض المتوسط.
واستند معدو التقرير إلى مسار عبد بلوط، المواطن الألماني من أصول لبنانية، الذي قالوا إنه حاول في ماي 2025 الوصول إلى موريتانيا في إطار مساعٍ للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية في مالي، قبل أن ينتقل إلى لبنان بهدف مواصلة رحلته نحو سوريا. وأضافوا أنه عاد إلى ألمانيا في نونبر من السنة نفسها، ثم أوقف مجدداً، وأدين في ماي 2026 بإعداد عمل عنيف خطير ونشر دعاية للتنظيم، قبل أن ينفذ، في يوليوز الماضي، هجوماً بشاحنة مستأجرة استهدف تجمعاً خلال احتفالات «كريستوفر ستريت داي» في برلين، أعقبه استعمال سكين، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة 29 آخرين، قبل أن تطلق الشرطة النار عليه وترديه قتيلاً.
ورأى التقرير أن هذا المسار يقدم، بحسب تحليله، مثالاً على الكيفية التي يمكن أن تتقاطع بها محاولات الالتحاق بالتنظيمات المسلحة في مناطق النزاع مع التخطيط لأعمال إرهابية داخل أوروبا، موضحاً أن تعذر الوصول إلى ساحات القتال لا يعني بالضرورة انقطاع الصلة بهذه التنظيمات، إذ قد يتحول بعض المتعاطفين معها إلى تنفيذ اعتداءات داخل البلدان التي يقيمون فيها، تحت تأثير الدعاية المتطرفة أو التوجيهات الصادرة عن شبكات مرتبطة بالتنظيم.
وربط معدو التقرير بين هذه التطورات وما وصفوه بظهور مسار للدعم يمتد من مناطق نشاط التنظيم في الساحل الإفريقي، مروراً بشمال إفريقيا، وصولاً إلى إسبانيا، مستفيداً من شبكات التهريب القائمة وروابط التجنيد والتمويل والتواصل عبر الإنترنت. وأشاروا إلى أن حجم المقاتلين الأجانب الذين يلتحقون بولاية الساحل يظل أقل من الأعداد التي تدفقت على تنظيم الدولة الإسلامية خلال ذروة تمدده في العراق وسوريا، غير أن تراجع الانتباه إلى هذا الفرع أو تركيز أجهزة الأمن على تهديدات أخرى قد يمنحه هامشاً لتطوير أنشطته خارج المنطقة.
وفي هذا السياق، شدد التقرير على أن المغرب وإسبانيا يتوفران على خبرة متراكمة في رصد التحركات المرتبطة بالمقاتلين الأجانب، بالنظر إلى العمليات الأمنية التي شهدها البلدان خلال السنوات الماضية، وإلى الروابط الجغرافية والبشرية التي تجعل منطقة غرب المتوسط مجالاً حساساً في مواجهة مخاطر التطرف العنيف.
وذكر المصدر ذاته أن السلطات المغربية فككت، منذ سنة 2025، شبكات متعددة يشتبه في ارتباطها بتنظيم الدولة الإسلامية في ولاية الساحل، من بينها خلية عرفت باسم «طنجة ـ مايوركا»، جرى توقيف أفراد منها في مارس 2026، للاشتباه في تقديمها دعماً مالياً ولوجستياً لمقاتلين ينشطون في الساحل والصومال، بالتوازي مع التخطيط لتنفيذ هجوم في إسبانيا.
كما استحضر التقرير عملية أمنية أخرى استهدفت شبكة تضم 12 شخصاً، أطلق عليها اسم «أسود الخلافة في المغرب العربي»، وكانت موزعة على تسع مدن مغربية، وفق المعطيات التي أوردها. ونسب إلى السلطات المغربية الاشتباه في أن هذه المجموعة كانت تسعى إلى إنشاء بنية مرتبطة بولاية الساحل داخل المملكة، وتسهيل انتقال مجندين إلى بؤر النزاع، فضلاً عن التحضير لأنشطة عدائية تستهدف البلاد.
واعتبر معدو التقرير أن تكرار تفكيك شبكات يشتبه في ارتباطها بالتنظيم يكشف عن محاولات متواصلة لبناء روابط بين مناطق النشاط المسلح في الساحل وشبكات داخل شمال إفريقيا، بما يفرض، وفق تقديرهم، مواصلة اليقظة الأمنية وتطوير تبادل المعلومات بشأن تحركات الأشخاص والأموال والأنشطة الرقمية المرتبطة بالتطرف.
وسلط التقرير الضوء على المحور الممتد من طنجة إلى مضيق جبل طارق ثم جزر البليار، معتبراً أنه يمثل أحد المسارات التي ينبغي مراقبتها في إطار مواجهة التهديدات العابرة للحدود. وأوضح أن التنظيمات المتطرفة قد تستغل البنيات القائمة للتهريب والتنقل غير المشروع، إلى جانب الروابط الشخصية والاتصالات الرقمية، لتسهيل تحركات عناصرها أو توفير الموارد اللازمة لأنشطتها.
وفي هذا الإطار، أشار المصدر ذاته إلى أن العلاقات العابرة للحدود لم تكن طارئة على تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية الساحل، بل رافقت نشأته وتطوره منذ المرحلة التي كان يعرف فيها باسم تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، خلال قيادة عدنان أبو الوليد الصحراوي، الذي قتل سنة 2021. وأضاف أن التنظيم أعاد تشكيل بنيته القيادية والتنظيمية بعد ذلك، مستوعباً عناصر محلية وأجنبية من خلفيات متعددة، بما يعكس، بحسب التقرير، قدرته على التكيف مع التحولات الميدانية وتبدل الظروف الأمنية.
ولفت معدو التقرير إلى أن الجماعة تستفيد من تنوع مكوناتها البشرية ومن امتدادها داخل مجتمعات مختلفة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مشيرين إلى حضور مجموعات عرقية من بينها الفولاني والعرب والطوارق والداوسحاق والسونغاي والجرما. وربطوا هذا التنوع بمحاولات التنظيم تعزيز حضوره المحلي وتوسيع قاعدة التجنيد، في بيئات تتسم بضعف الخدمات الأساسية وتراجع الثقة في بعض المؤسسات الحكومية.
وأضاف التقرير أن التنظيم يسعى، في مناطق من الساحل، إلى تقديم نفسه باعتباره مدافعاً عن فئات مهمشة، مستغلاً مظاهر الاستياء الاجتماعي والتوترات القائمة بين السكان والسلطات أو الجماعات المسلحة الأخرى. ونقل معدوه أن تقارير أممية للمراقبة رصدت اتساع نفوذ الجماعة في بعض المناطق، ولا سيما في مالي، حيث يمكن لاستغلال المظالم المحلية أن يوفر لها فرصاً إضافية للتجنيد وجمع الأموال وتثبيت حضورها.
وبحسب القراءة التي قدمها التقرير، فإن تعزيز التنظيم لقاعدته المحلية قد يتيح له توجيه جزء أكبر من موارده نحو بناء روابط خارج منطقة الساحل، ومساندة فروع أخرى لتنظيم الدولة الإسلامية، وتطوير قدرات تتصل بالتحرك والتنسيق خارج ساحات القتال التقليدية. واعتبر أن استخدام مسارات تربط الساحل بشمال إفريقيا وجنوب أوروبا يندرج ضمن هذا التحول، وإن كانت طبيعة هذه الروابط ومستوياتها تختلف من شبكة إلى أخرى.
وفي ما يتعلق بالتهديدات الموجهة إلى المنطقة المغاربية، ذكر التقرير أن دعاية تنظيم الدولة الإسلامية أصبحت تتضمن دعوات صريحة إلى استهداف المغرب وتونس وإسبانيا، معتبراً أن هذا التطور يرفع من أهمية مراقبة انتقال الخطاب المتطرف من الفضاء الرقمي إلى محاولات التجنيد أو التخطيط لاعتداءات فعلية. كما أشار إلى أن بعض الشبكات قد تعمل على استقطاب أفراد موجودين داخل أوروبا، من دون الحاجة بالضرورة إلى نقل عناصر مباشرة من مناطق النزاع.
وأكد التقرير أن هذه التحولات تستدعي، من وجهة نظر معديه، توسيع نطاق المقاربة الأوروبية لمكافحة الإرهاب، التي ركزت خلال السنوات الأخيرة على تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان وبقايا التنظيم في الشرق الأوسط، في حين لم يحظ التهديد القادم من الساحل، بحسب تقييمهم، بالاهتمام نفسه رغم المؤشرات المتراكمة بشأن اتساع الروابط بين المنطقتين.
وفي هذا الصدد، حذر المصدر من أن التركيز على بؤر التهديد التقليدية قد يترك ثغرات في رصد المسارات العابرة للصحراء وشبكات الدعم الممتدة بين شمال إفريقيا وجنوب أوروبا. كما نبه إلى أن تباين مستويات التنسيق بين المؤسسات الأمنية الأوروبية ونظيراتها المغربية والإسبانية قد يصعب تكوين صورة شاملة عن حركة الأشخاص والتمويلات والصلات التي تربط المجموعات المتطرفة ببعضها.
ولم يحصر التقرير المخاطر في الأشخاص الذين يسافرون إلى مناطق النزاع، بل أشار أيضاً إلى خطورة الأفراد الذين يحافظون على حضور محدود ولا يلفتون انتباه الأجهزة الأمنية، رغم استمرار ارتباطهم بأوساط متطرفة أو محاولتهم السفر إلى بؤر التوتر والعودة منها. واعتبر أن هؤلاء قد يشكلون تحدياً إضافياً لأجهزة الاستخبارات، خصوصاً عندما تتداخل الدعاية الرقمية مع محاولات الالتحاق بالتنظيمات المسلحة أو التخطيط لاعتداءات داخلية.
وخلص التقرير إلى أن تطور قدرات تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية الساحل على التأثير في المتعاطفين معه وتوجيههم، إلى جانب الاستفادة من شبكات الدعم العابرة للحدود، يفرض على الدول الأوروبية تعزيز دفاعاتها وتطوير آليات التعاون الأمني والاستخباراتي مع دول شمال إفريقيا.
وشدد معدو التقرير، في هذا السياق، على أهمية تعميق التنسيق بين المغرب وإسبانيا من أجل رصد الشبكات المشتبه في ارتباطها بالتنظيمات الجهادية وتفكيكها، ومنع استغلال المسارات اللوجستية العابرة للمتوسط في تمويل الأنشطة الإرهابية أو تسهيل تنفيذ اعتداءات داخل أوروبا.
ويضع هذا التقييم منطقة غرب المتوسط أمام تحد أمني متشابك، تتداخل فيه تداعيات عدم الاستقرار في الساحل مع مخاطر التجنيد الرقمي والتهريب وحركة المقاتلين الأجانب، بما يجعل التعاون بين الدول المعنية عاملاً أساسياً في مواجهة التهديدات، مع ضرورة التمييز بين المسارات التي ترصدها الأجهزة الأمنية والسيناريوهات التي يطرحها المحللون بشأن تطورها المحتمل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك