أنتلجنسيا المغرب: أميمة . م
تتزايد
التساؤلات بشأن مستقبل أسعار قنينات غاز البوتان في المغرب، بعدما كشفت بيانات
تجارية عن ارتفاع قيمة واردات المملكة من هذه المادة الطاقية القادمة من دول
الاتحاد الأوروبي، رغم تراجع الكميات المستوردة خلال الأشهر الثمانية الأولى من
سنة 2026، وهو تطور يضع كلفة التزويد بالطاقة المنزلية تحت المجهر، خصوصاً أن
الغاز يشكل مادة أساسية في الحياة اليومية لملايين الأسر المغربية.
وأظهرت
الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي أن قيمة مشتريات المغرب من غاز البوتان
بلغت نحو 182,4 مليون يورو بين يناير وغشت 2026، أي ما يعادل حوالي 2,04 مليار
درهم، مقابل 164,49 مليون يورو خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، مسجلة زيادة
تناهز 10,89 في المائة، وهو ما يعني أن المملكة دفعت مبالغ أكبر للحصول على كميات
أقل من هذه المادة.
وفي المقابل،
انخفض حجم شحنات غاز البوتان المصدرة من دول الاتحاد الأوروبي إلى المغرب إلى
حوالي 366 ألف طن، بعدما تجاوز 413 ألف طن خلال الفترة المقابلة من العام السابق،
أي بتراجع بلغ نحو 47 ألف طن، ويكشف هذا التباين بين قيمة الواردات وحجمها عن
ارتفاع واضح في التكلفة المسجلة لكل طن، بما يزيد الضغوط على فاتورة الطاقة
المستوردة.
وتبرز
المعطيات ذاتها أن متوسط القيمة المصرح بها للطن الواحد ارتفع من حوالي 398 يورو
إلى 498 يورو، بزيادة تقارب 25,21 في المائة، وهو ما يعادل نحو 5559 درهماً للطن
وفق الأرقام الواردة، غير أن هذه القيمة لا تمثل بالضرورة السعر العالمي المرجعي
للغاز، لأنها تتأثر أيضاً بشروط العقود التجارية ونوعية الشحنات وتكاليف التوريد،
ولذلك لا يمكن اعتبارها وحدها دليلاً على قرب زيادة أسعار القنينات في السوق
المغربية.
وتكتسي هذه
التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى اعتماد الأسر المغربية على قنينات البوطان في
الطهي وتسخين المياه، فضلاً عن استفادة هذه المادة من دعم صندوق المقاصة، ما يجعل
أي ارتفاع في تكاليف الاستيراد موضوعاً مرتبطاً بالتوازن بين حماية القدرة
الشرائية للمواطنين وضمان استمرارية تموين السوق، ويبقى احتمال تعديل الأسعار
مرتبطاً بقرارات السلطات المعنية وتطورات السوق وآليات الدعم المعتمدة، وليس بمجرد
ارتفاع قيمة الواردات الأوروبية.
وفي ظل هذه
المعطيات، يعود النقاش حول الإمكانات الغازية المحلية إلى الواجهة، خصوصاً مع
الحديث في السنوات الماضية عن مؤشرات وموارد محتملة في مناطق من بينها حوض سبو
ومنطقة الغرب وتندرارة، غير أن وجود موارد أو مؤشرات جيولوجية لا يعني بالضرورة
توافر إنتاج تجاري قادر على تغطية الاستهلاك الوطني، إذ يتطلب الأمر عمليات تنقيب
وتقييم تقني واستثمارات في الاستخراج والمعالجة والنقل قبل تحديد حجم المساهمة
الممكنة في السوق.
ويطرح ذلك
تساؤلات بشأن أسباب استمرار اعتماد المغرب على الاستيراد، رغم الجهود المبذولة
لاستكشاف موارده الطبيعية، إذ يرتبط تطوير الإنتاج المحلي بعوامل متعددة، من بينها
الجدوى الاقتصادية للاكتشافات، وحجم الاحتياطيات القابلة للاستخراج، وكلفة تطوير
الحقول، وتوفر البنية التحتية اللازمة، كما أن الغاز المستورد قد يظل ضرورياً
لتلبية الطلب حتى في حال ارتفاع الإنتاج المحلي، ما دامت الكميات الوطنية غير
كافية لتغطية الحاجيات.
ولا يقتصر
التحدي على اكتشاف الغاز فحسب، بل يشمل أيضاً بناء منظومة متكاملة تتيح استغلال
الموارد بكفاءة، وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الخبرات الوطنية في
مجالات البحث والتنقيب والإنتاج، مع ضمان الشفافية في العقود وتقاسم العائدات،
فتعزيز الإنتاج المحلي يمكن أن يساهم في تقليص التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية،
لكنه يحتاج إلى تخطيط طويل الأمد ولا يضمن وحده انخفاض الأسعار بصورة فورية.
وبين ارتفاع
تكلفة واردات البوطان وتطلعات تحقيق أمن طاقي أكبر، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا
كانت هذه الزيادة ستنعكس مستقبلاً على أسعار قنينات الغاز أم ستتحمل الدولة جانباً
من الضغوط عبر آليات الدعم، إذ لا توجد في المعطيات المذكورة وحدها مؤشرات مؤكدة
على قرار وشيك برفع الأسعار، فيما ستظل التطورات رهينة بتكلفة التوريد وحجم
الاستهلاك والسياسة الحكومية، إلى جانب قدرة المشاريع الغازية المحلية على
الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى إنتاج فعلي ومستدام.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك