أنتلجنسيا:أبو جاسر
تضع عودة النقاش حول التعويضات والامتيازات الممنوحة لأعضاء الحكومة مسألة تدبير المال العام في صلب الاهتمام، بالتزامن مع اقتراب تنصيب الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، وسط تساؤلات بشأن الكلفة الحقيقية للمسؤولية السياسية وحدود الامتيازات التي ترافق تولي المناصب العليا ومغادرتها.
وتتمحور المعطيات المتداولة حول الظهير رقم 1.93.100، الذي يُستند إليه في الحديث عن نظام التعويضات والمزايا المخولة لأعضاء الحكومة، بما يشمل منحاً مالية وخدمات عينية ووسائل عمل تتحمل الدولة نفقاتها. غير أن غياب التحقق المباشر من جميع المقتضيات الواردة في النص الرسمي يفرض التعامل بحذر مع التفاصيل والأرقام المنشورة بشأن هذه الامتيازات.
وتشير هذه المعطيات إلى تخصيص منحة جزافية عند التنصيب بقيمة عشرة آلاف درهم لكل وزير، مقابل عشرين ألف درهم لرئيسة الحكومة. وباحتساب 31 وزيراً ورئيسة للحكومة، كما تورد الأرقام المتداولة، تصل الكلفة الافتراضية لهذه المنحة إلى 330 ألف درهم، شريطة انطباق المبالغ المذكورة على جميع الأعضاء المعنيين.
ولا يتوقف الجدل عند التعويض الأولي، إذ تتحدث المعطيات نفسها عن منحة عند مغادرة المنصب تعادل عشرة أشهر من الأجرة الوزارية، وفق شروط يُفترض أن يحددها الإطار القانوني المنظم. وتطرح هذه المعلومة بدورها أسئلة بشأن نطاق الاستفادة، والحالات التي تُصرف فيها هذه المستحقات، وكيفية احتسابها، وهي تفاصيل تحتاج إلى الرجوع إلى النصوص الرسمية ذات الصلة قبل اعتمادها كمعطيات نهائية.
وفي الجانب العيني، تشمل الامتيازات المنسوبة إلى النظام المذكور تحمل الدولة نفقات الماء والكهرباء والتدفئة، وتوفير سيارات للمصلحة وسائقين، فضلاً عن خدمات مساعدة مرتبطة بالإقامة. كما تتحدث الأرقام المتداولة عن وضع ثلاث سيارات رهن إشارة رئيس الحكومة وسيارتين لكل وزير، إلى جانب طاقم من المستخدمين المكلفين بخدمات مختلفة.
وتتجاوز أهمية هذه التفاصيل قيمتها المالية المباشرة، لأنها تفتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين الوسائل الضرورية لضمان سير العمل الحكومي والامتيازات التي تستوجب توضيح أسسها القانونية، وشروط الاستفادة منها، والكلفة التي تتحملها الميزانية العامة لتوفيرها.
فطبيعة المسؤولية الحكومية وما تفرضه من تنقلات واجتماعات والتزامات رسمية تقتضي توفير وسائل عمل ملائمة، لكن ذلك لا يعفي من إخضاع النفقات المرتبطة بها لمبادئ الشفافية والتناسب والرقابة. كما أن تقييم هذه الامتيازات لا يمكن أن يستند إلى الانطباعات وحدها، بل يتطلب بيانات رسمية توضح قيمتها الفعلية، والجهات المستفيدة منها، والضوابط التي تحكم صرفها.
ويمتد النقاش إلى التعويضات المخصصة للبرلمانيين والمنتخبين في الجماعات الترابية، في ظل تداول تقديرات تضع الكلفة الإجمالية لتعويضات فئات من المسؤولين السياسيين خلال ولاية كاملة في حدود 2.53 مليار درهم. غير أن هذا الرقم يظل بحاجة إلى تدقيق مستقل، بالنظر إلى اختلاف فئات المستفيدين، ومدد الانتداب، ومصادر التمويل، وطبيعة النفقات الداخلة في عملية الاحتساب.
ويقتضي الوصول إلى تقدير موثوق التمييز بين الأجور والتعويضات المباشرة، والمصاريف المهنية، والوسائل الموضوعة رهن إشارة المؤسسات، فضلاً عن النفقات التي تتحملها الميزانيات العامة أو المحلية. فمن دون هذا الفصل، قد تختلط المصاريف المرتبطة بتسيير المرافق العمومية بالمنافع الفردية، أو تُحتسب بعض النفقات أكثر من مرة، بما يضعف دقة الأرقام المتداولة.
وتكتسب هذه المساءلة أهمية إضافية في سياق إعداد قانون المالية لسنة 2027، مع تصاعد المطالب بتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوسيع فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية. ففي ظل محدودية الموارد وتعدد حاجيات الإنفاق، يصبح ترشيد نفقات التسيير وتوضيح أوجه صرف المال العام جزءاً من النقاش المتعلق بفعالية السياسات العمومية.
ولا تعني مراجعة الامتيازات بالضرورة إلغاء الوسائل التي يحتاج إليها المسؤولون لأداء مهامهم، بقدر ما تستدعي تحديداً واضحاً لما هو ضروري ومبرر قانونياً، ونشراً للمعطيات التي تسمح بتقييم الكلفة والعائد، وإرساء قواعد للمساءلة تضمن عدم تحول الامتياز الوظيفي إلى مجال يفتقر إلى الشفافية.
ومع اقتراب تنصيب حكومة المنصوري، يبرز التحدي في تقديم معطيات رسمية دقيقة بشأن نظام التعويضات والمزايا الحكومية، بما يسمح للرأي العام بالتمييز بين الأحكام القانونية الثابتة والأرقام المتداولة التي لم تخضع بعد للتحقق. فالمعيار الأساسي لا يتعلق فقط بما يتقاضاه المسؤول السياسي أو بما يوضع رهن إشارته، بل أيضاً بمدى وضوح القواعد المنظمة لذلك، وبما تحققه المسؤولية من نتائج تتناسب مع الموارد العمومية المخصصة لها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك