حكومة المنصوري أمام اختبار ملفات أخنوش المثيرة للجدل

حكومة المنصوري أمام اختبار ملفات أخنوش المثيرة للجدل
ديكريبتاج / الأحد 11 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

تواجه الحكومة المرتقبة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري اختبارا سياسيا مبكرا يتعلق بكيفية التعامل مع الملفات الاقتصادية والمالية التي أثارت جدلا خلال الولاية الحكومية التي قادها عزيز أخنوش، خصوصا تلك المرتبطة بتضارب المصالح المحتمل، والصفقات العمومية، وأوجه صرف الدعم الحكومي، وسط مطالب بالكشف عن حقيقة الاختلالات المفترضة وترتيب المسؤوليات وفق القانون.

ويكتسي هذا الملف حساسية خاصة بالنظر إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقود رئيسته المنصوري مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، كان شريكا لحزب التجمع الوطني للأحرار في الأغلبية المنتهية ولايتها، وهو ما يضع القيادة الحكومية الجديدة أمام سؤال الاستمرارية السياسية ومدى استعدادها لإخضاع تدبير المرحلة السابقة للتقييم والمساءلة، من دون أن يتحول الانتماء إلى الأغلبية السابقة إلى عائق أمام عمل المؤسسات الرقابية والقضائية.

وتبرز قضية المحروقات في مقدمة الملفات التي ظلت تثير نقاشا واسعا، بسبب ارتباط أخنوش بمجموعة «أكوا»، التي تضم شركة «أفريقيا» العاملة في توزيع الوقود، وما رافق تحرير الأسعار من انتقادات بشأن مستويات الأرباح وضعف المنافسة وانعكاس ذلك على القدرة الشرائية للمواطنين. وفي هذا السياق، جرى تداول تقديرات تتحدث عن أرباح تناهز 17 مليار درهم، ووصفتها أطراف منتقدة بأنها أرباح غير مستحقة، غير أن هذا الوصف لا يشكل في حد ذاته حكما قضائيا يثبت ارتكاب مخالفات.

وسجل مجلس المنافسة، في نونبر 2023، التوصل إلى اتفاقات صلح مع تسع شركات لتوزيع المحروقات وجمعيتها المهنية، مقابل أداء مبالغ إجمالية تقارب 1.84 مليار درهم، في سياق معالجة ممارسات مرتبطة بقواعد المنافسة. ويعيد هذا الملف إلى الواجهة أسئلة بشأن فعالية آليات ضبط السوق، ومدى كفاية التدابير المتخذة لحماية المستهلك، وكيفية ضمان الفصل بين المسؤولية السياسية والمصالح الاقتصادية الخاصة.

ولا ينحصر النقاش في شركة «أفريقيا»، بل يمتد إلى علاقات الفاعلين الاقتصاديين بالمسؤولين السياسيين، ومن بينهم شركات أخرى في قطاع المحروقات، ما يجعل الشفافية في التصريح بالمصالح والكشف عن الروابط التجارية ذات الصلة من بين القضايا التي يمكن أن تخضع للتدقيق المؤسساتي.

وتطرح محطة تحلية مياه البحر بمنطقة الدار البيضاء بدورها أسئلة بشأن تدبير الصفقات الاستراتيجية، بعدما أُسند المشروع إلى تحالف يضم الشركة الإسبانية «أكسيونا» وشركتي «غرين أوف أفريكا» و«أفريقيا غاز»، باستثمار إجمالي يناهز 6.5 مليارات درهم. وقد أثار هذا الاختيار انتقادات سياسية مرتبطة باحتمال تضارب المصالح، بالنظر إلى ارتباط إحدى الشركات المستفيدة بالمجموعة الاقتصادية التي ينتمي إليها رئيس الحكومة المنتهية ولايته.

ويستدعي الجدل المحيط بالمشروع التمييز بين إثارة شبهة تضارب المصالح وإثبات وقوع مخالفة قانونية؛ إذ لا يكفي ارتباط مسؤول سياسي بمحيط اقتصادي لإثبات فساد الصفقة، كما أن سلامة المساطر تظل موضوعا قابلا للفحص في ضوء الوثائق وشروط المنافسة والضمانات المعتمدة. ومن شأن نشر المعطيات المتعلقة بإسناد المشروع والتزاماته المالية وآليات مراقبته أن يساهم في تعزيز الثقة في تدبير الاستثمارات العمومية الكبرى. 

وفي قطاع الصحة، برزت بدورها تساؤلات حول صفقات الأدوية والمستلزمات الطبية التي حصلت عليها شركة «فارما بروم»، المرتبطة بمحمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية. وأثارت معطيات متداولة بشأن علاقات الشركة بالصفقات العمومية واستمرار بعض الأنشطة المرتبطة بها بعد تعيينه الحكومي نقاشا حول ضرورة التدقيق في التصريحات المتعلقة بالمصالح، ومدى احترام القواعد المنظمة لتفادي تضارب المصالح بين المسؤولية العامة والنشاط التجاري.

ويظل الحسم في هذه المسائل رهينا بالوثائق الرسمية ونتائج عمليات الافتحاص والتحقيق عند الاقتضاء، لأن وجود علاقة تجارية أو تداول اتهامات بشأنها لا يكفي وحده لإثبات ارتكاب جريمة أو مخالفة قانونية.

ويمتد النقاش إلى القطاع الفلاحي، حيث لا تزال حصيلة مخطط «المغرب الأخضر»، الذي أُطلق سنة 2008 خلال تولي أخنوش وزارة الفلاحة، محل تقييم بشأن توزيع الدعم العمومي، وحجم استفادة المستثمرين الكبار، وتأثير بعض الاختيارات الزراعية على الموارد المائية والأمن الغذائي. ورغم أن المخطط انطلق قبل تولي أخنوش رئاسة الحكومة، فإن موقعه في تدبير القطاع الفلاحي يجعل حصيلته جزءا من النقاش حول السياسات العمومية التي أشرف عليها على امتداد سنوات.

كما أعاد دعم استيراد الماشية واللحوم إلى الواجهة مسألة الشفافية في توجيه الأموال والامتيازات العمومية، بعدما أثارت المعارضة تقديرات تصل إلى 13.3 مليار درهم، في حين أعلنت وزارة الفلاحة أن الدعم المالي المباشر المخصص لاستيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024 بلغ 437 مليون درهم، موزعة بين 193 مليون درهم سنة 2023 و244 مليون درهم سنة 2024. 

ويستدعي اختلاف الرقمين توضيح طبيعة كل مبلغ ومكوناته، والفصل بين الدعم النقدي المباشر والإعفاءات الجمركية والضريبية وغيرها من التدابير، بدل التعامل مع التقديرات المختلفة باعتبارها أرقاما متطابقة في طبيعتها. كما يظل تقييم أثر هذه الإجراءات على أسعار اللحوم ومداخيل المستوردين والقدرة الشرائية للمواطنين جزءا أساسيا من أي مراجعة موضوعية للبرنامج.

وتضاف إلى ذلك تساؤلات بشأن بعض الصفقات العمومية التي أُلغيت أو أعيد طرحها في قطاع الصحة، وحكامة برامج مواجهة الجفاف، ومعايير توزيع الإعانات العمومية، فضلا عن الاختلالات التي قد تكشفها تقارير مؤسسات الرقابة حول تدبير البرامج والمرافق العامة. وتختلف طبيعة هذه الملفات ودرجات الإثبات فيها، ما يجعل معالجتها رهينة بفحص كل حالة على حدة، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو التعميم.

وتجد الحكومة المقبلة نفسها، تبعا لذلك، أمام فرصة لتحديد نهج واضح في التعامل مع إرث الولاية السابقة، عبر تعزيز الشفافية في الصفقات والدعم العمومي، وإتاحة المعلومات التي يسمح القانون بنشرها، وتفعيل آليات الافتحاص الإداري والمالي عند وجود مبررات موضوعية. كما يمكن إحالة ما تكشف عنه عمليات المراقبة من شبهات تستدعي البحث إلى السلطات المختصة، مع احترام استقلال القضاء وعدم استباق نتائج التحقيقات.

ولا تملك الحكومة، في المقابل، صلاحية تقرير الإدانة أو توجيه القضاء إلى نتيجة بعينها، إذ يظل إثبات الجرائم وترتيب المسؤوليات الجنائية من اختصاص الجهات القضائية وفق المساطر القانونية. ويقتضي ذلك الفصل بين المسؤولية السياسية التي تخضع للتقييم والمساءلة العمومية، والمسؤولية القانونية التي تحتاج إلى أدلة وإجراءات مؤسساتية واضحة.

وقد تشكل القرارات الأولى للحكومة الجديدة مؤشرا على توجهها في هذا المجال، خصوصا إذا اقترنت بإجراءات ملموسة لنشر المعطيات، وتدقيق الصفقات والبرامج التي تثار بشأنها أسئلة مشروعة، وتوضيح ما انتهت إليه المؤسسات الرقابية من نتائج. أما الاكتفاء بتغيير المسؤولين من دون معالجة أسباب الجدل، فقد يترك الباب مفتوحا أمام استمرار الشكوك بشأن العلاقة بين السلطة والمال.

وبين المطالبة بمساءلة مؤسساتية تحترم القانون، ومخاوف من طي الملفات المثيرة للجدل من دون توضيحات كافية، سيكون تعامل حكومة المنصوري مع هذه القضايا أحد الاختبارات المبكرة لمصداقيتها. فالانتقال من حكومة إلى أخرى لا يشكل دليلا على وقوع تجاوزات، لكنه يتيح فرصة لتقييم السياسات والقرارات السابقة، وتحديد ما يحتاج منها إلى تصحيح أو افتحاص أو إحالة على الجهات المختصة، بما يعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك