أنتلجنسيا:ياسر اروين
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تتكشف بشكل أكثر وضوحاً اللعبة المخزنية التي اعتاد المغرب على ممارستها منذ عقود، حيث يظل القرار السياسي الأعلى بيد الملك ومستشاريه المقربين، الذين يعملون على رسم خطوط حمراء مسبقة لكل الأطراف السياسية، وضمان خروج الحكومة المقبلة مطابقة لرؤيتهم ومصالحهم، مهما ادّعى الفاعلون السياسيون استقلاليتهم.
والتاريخ المغربي الحديث، يثبت أن أي انتخابات تشريعية لا يمكن قراءتها بمعزل عن تأثير القصر، الذي يحدد مسبقاً ملامح النتائج النهائية، ويضمن التوازن المطلوب بين الأحزاب المشاركة، بما يخدم استمرار الهيمنة الملكية على مفاصل الدولة، ويحول دون ظهور حكومة قد تتخذ قرارات تخالف التوجيهات العليا.
فالمشهد السياسي في المملكة، يتسم منذ سنوات بمحاولات التمثيل الديمقراطي الشكلية، بينما تبقى الخطوط العريضة للسياسة الوطنية مرسومة مسبقاً من قبل المخزن.
التحكم الملكي في الانتخابات لا يقتصر على توجيه الأحزاب، بل يشمل أيضاً آليات فرز الأصوات، توزيع الدوائر الانتخابية، وضمان حصول الأحزاب الموالية على الحصص المطلوبة لتشكيل أغلبية مريحة.
وبذلك، تتحول العملية الانتخابية إلى أداة لتكريس النفوذ الملكي، بدل أن تكون فرصة لتجديد الطبقة السياسية ومحاسبتها، أو لإدخال أي تغيير حقيقي على مستوى السياسات العمومية.
أما المسألة الأكثر خطورة، فتكمن حسب رأينا في أن هذه السيطرة لا تقتصر على انتخابات البرلمان فقط، بل تمتد لتفصيل الحكومة المقبلة وفقاً لما يراه المخزن مناسباً، حيث كل الحقائب الوزارية الرئيسية تكون محصورة ضمن دائرة الموالين أو المقربين من القصر، بينما تُترك الأحزاب الصغيرة أو المعارضة في مناصب شكلية لا تأثير لها على السياسات الجوهرية.
هذا النموذج يضمن استمرار نهج استراتيجي يراكم ثروات العائلة الملكية وحلفائها، ويعزز قدرة الدولة العميقة على السيطرة الاقتصادية والاجتماعية دون أي مساءلة.
والتأثير المباشر على المواطنين، خصوصاً الطبقات الهشة والمتوسطة، يصبح واضحاً عندما تُمارس الحكومة المصممة مسبقاً سياسات تؤدي إلى الحفاظ على استقرار المصالح العليا للمخزن، حتى لو كان ذلك على حساب الغلاء، البطالة، وغياب العدالة الاجتماعية.
فالتحكم في البرلمان والحكومة يعني التحكم في القوانين، في ميزانيات الدولة، وفي آليات الحماية الاجتماعية، بما يضمن أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية لا تمس مصالح الطبقة الحاكمة.
في ظل هذه المعادلة، يصبح أي نقاش حول إصلاح سياسي أو تشريعات إصلاحية مجرد خطابات إعلامية، بينما يظل المخزن هو صاحب القرار النهائي، يخطط ويستبق كل التحركات السياسية قبل أن تبدأ حتى.
وهذا النهج، لا يترك أي هامش للانتخابات للتعبير الحقيقي عن إرادة الشعب، ويحول الديمقراطية المغربية إلى عرض شكلي يهدف إلى إضفاء شرعية على ما تم رسمه مسبقاً في قصر الملك.
ختاما، فالرسالة واضحة، انتخابات 2026 ليست سوى محطة أخرى في مسلسل التحكم الملكي المستمر، حيث كل شيء مُبرمج ومخطط له، من تشكيل الحكومة إلى المسار السياسي للسنوات المقبلة، لتبقى الهيمنة المطلقة للمخزن على السياسة المغربية غير قابلة للمساءلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك