أنتلجنسيا:أبو فراس
تشهد الضفة الغربية للمتوسط تحولات عسكرية متسارعة تعيد رسم موازين القوة الجوية والدفاعية بين المغرب وإسبانيا، في ظل تسابق البلدين على تعزيز قدراتهما في مجال الدفاع الجوي واعتراض التهديدات الحديثة، من الطائرات المقاتلة والمسيرات إلى الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، وسط بيئة إقليمية تزداد تعقيداً وحساسية.
وبات واضحاً أن الرباط ومدريد تراهنان على بناء مظلات دفاعية متطورة ومتعددة الطبقات، غير أن الفارق يكمن في طبيعة الخيارات الاستراتيجية التي اعتمدها كل طرف. فإسبانيا واصلت الاعتماد على المنظومات الأمريكية والأوروبية المعروفة داخل حلف شمال الأطلسي، بينما اختار المغرب تنويع مصادر تسليحه بشكل غير مسبوق عبر الجمع بين التكنولوجيا الأمريكية والأوروبية والصينية والإسرائيلية، ما وفر له هامشاً أوسع من المرونة في اقتناء الأنظمة الدفاعية الحديثة.
وتستند القوة الدفاعية الإسبانية بعيدة المدى إلى منظومة «باتريوت PAC-3 MSE» الأمريكية، التي تعد من أبرز الأنظمة العالمية القادرة على مواجهة الطائرات والصواريخ الباليستية التكتيكية. كما تعزز البحرية الإسبانية قدراتها بصواريخ «SM-2 Block IIIA» المخصصة للدفاع الجوي البحري بعيد المدى، في حين توفر منظومات «ESSM» و«HAWK» و«NASAMS» طبقات إضافية للدفاع المتوسط والقصير المدى، ما يسمح بتأمين المنشآت والقواعد العسكرية والوحدات البحرية ضد مختلف التهديدات الجوية.
في المقابل، شهدت القوات المسلحة الملكية المغربية خلال السنوات الأخيرة قفزة نوعية أثارت اهتمام المتابعين للشؤون العسكرية، بعدما انتقلت من الاعتماد على أنظمة محدودة إلى بناء شبكة دفاع جوي متعددة المستويات تضم منظومات صينية وإسرائيلية وأمريكية متطورة. ويبرز في مقدمة هذه المنظومات نظام «FD-2000B» الصيني، المعروف أيضاً باسم النسخة التصديرية لـ«HQ-9B»، والذي يمنح المغرب قدرة اعتراض بعيدة المدى تتجاوز 200 كيلومتر وفق المعطيات المتداولة.
كما عزز المغرب دفاعاته بمنظومة «Barak MX» الإسرائيلية التي توفر عدة طبقات للاعتراض، بدءاً من المديات المتوسطة وصولاً إلى المديات البعيدة، مع قدرة على مواجهة الطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة ضمن شبكة قيادة وسيطرة متطورة. وإلى جانب ذلك، دخلت أنظمة مثل «SPYDER» و«Sky Dragon 50» و«VL MICA» الخدمة لتعزيز الحماية القريبة والمتوسطة للمنشآت الحيوية والقواعد العسكرية والتشكيلات الميدانية.
ويعتبر خبراء أن أهم ما يميز المقاربة المغربية هو التنوع الكبير في مصادر التكنولوجيا العسكرية، وهو ما يمنح المملكة خيارات أوسع في التحديث والتطوير مقارنة بالاعتماد على مصدر واحد للتسليح. كما أن هذا التنوع يسمح ببناء شبكة دفاعية متكاملة قادرة على التعامل مع طيف واسع من التهديدات الجوية المتغيرة.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع الحديث عن إمكانية نشر بعض المنظومات بعيدة المدى في شمال المغرب، حيث تشير تقديرات عسكرية إلى أن مدى الاشتباك لبعض الأنظمة قد يضع أجزاء من جنوب إسبانيا ضمن نطاق التغطية النظرية، بينما تمتد قدرات الرصد والكشف إلى مسافات أبعد، ما يعكس التحول الكبير الذي عرفته القدرات الدفاعية المغربية خلال السنوات الأخيرة.
ولا يتوقف طموح الرباط عند ما تم اقتناؤه بالفعل، إذ تتحدث تقارير إسرائيلية عن اهتمام مغربي متزايد بمنظومات أكثر تطوراً، من بينها «مقلاع داوود» المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، إضافة إلى منظومة «Sky Sonic» المصممة للتعامل مع التهديدات الفرط صوتية التي تمثل أحد أكبر التحديات العسكرية في العالم اليوم.
كما تشمل الاهتمامات المغربية صاروخ «Sky Spear» بعيد المدى للقتال الجوي، والذي تدرس المملكة إمكانية دمجه على مقاتلات «F-16». وفي حال تحقق ذلك، فإن القوات الجوية المغربية ستحصل على قدرة هجومية ودفاعية متقدمة في الاشتباكات الجوية بعيدة المدى، خاصة في ظل امتلاك إسبانيا لصواريخ «Meteor» على مقاتلات «Eurofighter Typhoon» وصواريخ «AMRAAM» على طائرات «F-18».
ومع استمرار سباق التسلح والتحديث العسكري على ضفتي المتوسط، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة عنوانها تعزيز القدرات الدفاعية وبناء شبكات اعتراض أكثر تعقيداً وفعالية. وبينما تواصل إسبانيا الاعتماد على خبرتها الأطلسية ومنظوماتها الغربية المتقدمة، يمضي المغرب بخطى متسارعة نحو تشييد واحدة من أكثر شبكات الدفاع الجوي تنوعاً في المنطقة، في مشهد يعكس التحولات الكبرى التي تشهدها موازين القوة العسكرية في غرب البحر الأبيض المتوسط.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك