أنتلجنسيا:أبو فراس
لم تعد الحروب الحديثة تُحسم بعدد الطائرات أو شراسة الطيارين، بل بقدرة الدول على السيطرة على السماء كمجال معلوماتي شبكي، تتحكم فيه الخوارزميات بقدر ما تتحكم فيه المحركات.
فمن المقاتلة الأميركية إف-35، التي أصبحت عنواناً للحرب الرقمية، إلى الطموحات الآسيوية الصاعدة مع KF-21 الكورية، يدخل العالم مرحلة يعاد فيها تعريف التفوق الجوي بوصفه أداة سياسية واستراتيجية لإعادة توزيع القوة في نظام دولي لم يعد أحادياً.
والمقاتلات من الجيل الخامس لم تعد مجرد منصات قتال، بل تحولت إلى مفاتيح نفوذ عسكري شامل، قادرة على ترجيح كفة الدول في موازين الردع والهيمنة.
إف-35، على وجه الخصوص، تجاوزت دور الطائرة النفاثة التقليدية، لتغدو مركز قيادة طائر، يجمع المعطيات من ساحة المعركة، يعالجها آنياً، ويوزعها عبر شبكات اتصال شبحية، بما يسمح بإدارة الحرب من الجو، لا خوضها فقط.
هذه الطائرة صُممت لتكون عقدة مركزية في منظومات القيادة والسيطرة، قادرة على التنسيق مع الطائرات المسيّرة، وربط القوات الجوية والبرية والبحرية في شبكة واحدة، ما يجعلها أداة سياسية بقدر ما هي سلاح عسكري، قوتها لا تكمن فقط في التخفي أو التسليح، بل في قدرتها على تحويل المعلومة إلى سلاح حاسم.
وفيما تواصل واشنطن تطوير نسخ متعددة من إف-35، بما يعكس فلسفة تقوم على تعدد المهام والمرونة التشغيلية، يتضح أن المعركة الحقيقية لم تعد في السماء وحدها، بل في البرمجيات والتحديثات المستمرة التي تسمح بتكييف الطائرة مع أي مسرح عمليات.
إنها مقاتلة تُحدّث كما تُحدّث أنظمة الذكاء الاصطناعي، لا كما كانت تُحدّث الطائرات في العقود الماضية.
غير أن هذا التفوق لم يعد بلا منازع. فظهور المقاتلة الصينية J-20 والروسية Su-57 كسر احتكار الولايات المتحدة لتكنولوجيا الجيل الخامس، وفتح الباب أمام سباق جوي جديد.
صحيح أن هذه الطائرات لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالمحركات، والإلكترونيات الجوية، والجاهزية الإنتاجية، لكن مجرد دخولها المعادلة يعني أن الهيمنة الأميركية المطلقة لم تعد أمراً مسلّماً به.
التجربة أثبتت أن التفوق التكنولوجي وحده لا يكفي...القدرة على الإنتاج الكمي، والنشر الواسع، وضمان الجاهزية القتالية، هي ما يحسم المعارك الطويلة.
وهو ما يمنح إف-35 أفضلية عملية، مقابل منافسين ما زالوا في مرحلة اختبار القدرة على الانتقال من النموذج إلى الأسطول الفعلي.
في خلفية هذا السباق، تبرز نقاط ضعف استراتيجية، أبرزها اعتماد الصناعات العسكرية الأميركية على بعض المعادن القادمة من الصين، وهو ما دفع واشنطن إلى إعادة هندسة سلاسل الإمداد، عبر إشراك حلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، في خطوة تعكس إدراكاً بأن التفوق العسكري لا ينفصل عن الأمن الصناعي.
أوروبياً، يجد الاتحاد نفسه أمام اختبار صعب، فبينما تمتلك القارة مقاتلات فعالة مثل رافال وتايفون، فإن غياب رؤية دفاعية موحدة وتكامل عملياتي حقيقي يضعف قدرتها على مواكبة سباق التسلح بين القوى الكبرى.
والحرب الروسية-الأوكرانية عمّقت هذا الوعي، ودخلت أوروبا معها مرحلة تأهب استراتيجي، تسعى فيها إلى تعزيز الردع ورفع الجاهزية العسكرية في أفق 2030.
وسط هذا المشهد، يتضح أن سباق تطوير مقاتلات الجيل السادس ليس ترفاً تكنولوجياً، بل عنوان المرحلة المقبلة من الصراع الدولي.
فالردع في عالم مضطرب، لم يعد يقوم على التوازن النووي وحده، بل على السيطرة الذكية على السماء، ومنع الخصم من امتلاك التفوق المعلوماتي والعسكري في آن واحد.
في النهاية، لا يُبنى الاستقرار العالمي اليوم بالمؤتمرات وحدها، بل أيضاً بالمقاتلات الشبحية، وشبكات القيادة، والتحالفات العسكرية.
إنها معادلة قاسية، لكن العالم الذي يتجه بسرعة نحو تعددية القوى، لا يترك مجالاً كبيراً للحياد في سماء تُعاد رسم حدودها بالقوة والتكنولوجيا.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك