الأوليغارشية الفرنسية وأذرعها الخارجية..هل اقترب أفول منظومة الريع والنفوذ؟

الأوليغارشية الفرنسية وأذرعها الخارجية..هل اقترب أفول منظومة الريع والنفوذ؟
تقارير / الإثنين 19 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

من فرنسا انطلقت ثورة غيّرت مسار التاريخ الأوروبي ورفعت شعارات الحرية والمساواة والأخوة، ومن داخل الجمهورية الفرنسية نفسها برزت، على امتداد مراحل مختلفة، تناقضات بين تلك المبادئ وموازين القوة الاقتصادية والسياسية. واليوم، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى منظومة النفوذ التي يرى أصحابها أنها حصرت القرار في دائرة ضيقة من النخب السياسية والمالية والإعلامية، وأبعدت قطاعات واسعة من الفرنسيين عن التأثير الفعلي في السياسات العامة.

لا يتعلق الأمر، وفق هذا الطرح، بمجرد تنافس بين الأحزاب أو تبدل في شاغلي المناصب، بل بشبكات متداخلة تتقاطع فيها مسارات خريجي المدارس العليا ومراكز القرار الحكومي وإدارات الشركات الكبرى وملكية وسائل الإعلام. وتثير هذه الروابط أسئلة بشأن حدود استقلال القرار السياسي، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على إخضاع المصالح الاقتصادية الكبرى للمساءلة، خصوصا عندما تتشابه الاختيارات الاقتصادية رغم تعاقب الرؤساء والحكومات.

وتبرز حدة هذا التناقض عند مقارنة شعارات الجمهورية الفرنسية بالواقع الاجتماعي. فبينما تتيح الحرية الاقتصادية لأصحاب الثروات هامشا واسعا لحركة رؤوس الأموال، تتواصل النقاشات بشأن توزيع الأعباء الضريبية، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع القدرة الشرائية لفئات من المجتمع. كما أعادت طريقة تمرير إصلاحات التقاعد والميزانيات، بالاستناد إلى المادة 49.3 من الدستور، الجدل حول حدود السلطة التنفيذية وعلاقة الحكومة بالإرادة البرلمانية.

وامتد النقاش إلى المشهد الإعلامي، حيث أثار تركز ملكية مؤسسات صحافية وقنوات تلفزيونية لدى عدد محدود من كبار رجال الأعمال مخاوف بشأن التعددية واستقلالية التحرير. ويرى منتقدو هذا الوضع أن تداخل المصالح المالية مع النفوذ السياسي والإعلامي يتيح لأصحاب الثروة قدرة أكبر على التأثير في النقاش العام، فيما تظل آليات الرقابة والمساءلة موضع اختبار مستمر.

اقتصاديا، تواجه فرنسا تحديات تتصل بارتفاع الدين العام، وضغوط المالية العمومية، والتحولات الصناعية، وقدرة الدولة على الحفاظ على نموذجها الاجتماعي في ظل المنافسة الدولية. ويعيد ذلك إلى الواجهة النقاش حول التحول الاقتصادي الذي تعزز منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ومدى مسؤولية السياسات الليبرالية عن تراجع بعض الأنشطة الصناعية وتزايد الشعور بانسداد الأفق لدى فئات من الشباب والعمال.

غير أن اختزال الأزمة الفرنسية في إرادة أقلية واحدة لا يكفي وحده لتفسير تعقيداتها؛ فهناك تحولات عالمية في التجارة والتكنولوجيا والطاقة، إلى جانب خيارات سياسية داخلية وتحديات ديمغرافية ومالية. لكن تراجع الثقة في المؤسسات، واتساع الاحتجاجات الاجتماعية، وتنامي الاعتراض على القرارات الحكومية، كلها مؤشرات تجعل سؤال من يستفيد من النموذج الاقتصادي القائم ومن يتحمل تكلفته أكثر إلحاحا.

ومن الجامعات إلى الشارع، يبرز جيل يرفض أن يكون مجرد حلقة في منظومة لا تمنحه، في نظره، فرصا متكافئة في العمل والسكن والترقي الاجتماعي. ويضع هذا الحراك النخب السياسية والاقتصادية أمام تحدي استعادة الثقة، ليس عبر تغيير الوجوه وحده، بل من خلال مراجعة السياسات التي تؤثر في توزيع الثروة والفرص وفي علاقة المواطن بمؤسسات الدولة.

ولا تقف تداعيات الأزمة الفرنسية عند حدودها الوطنية، بل تمتد إلى عدد من البلدان التي ارتبطت تاريخيا بفرنسا بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية غير متكافئة. ففي أجزاء من القارة الإفريقية، تشكلت شبكات مصالح جمعت بين نخب محلية وشركات أجنبية ودوائر نفوذ، واستفادت، بحسب انتقادات متداولة، من امتيازات اقتصادية وعلاقات سياسية حدّت من فرص بناء اقتصادات مستقلة وقادرة على الإنتاج.

وقد اعتمدت بعض هذه الشبكات على عقود استغلال الموارد الطبيعية، وامتيازات الموانئ والاتصالات والاستيراد، وغيرها من الأنشطة التي تدر عوائد كبيرة من دون أن تضمن بالضرورة توسيع القاعدة الإنتاجية المحلية. وفي حالات متعددة، أدى تداخل المصالح الاقتصادية مع علاقات النفوذ الخارجي إلى إضعاف المنافسة وإبقاء قطاعات حيوية رهينة ترتيبات يصعب إخضاعها للمساءلة الشعبية.

وتاريخيا، ساهمت أدوات النفوذ الفرنسي، بما فيها العلاقات التعليمية والدبلوماسية والتجارية وشبكات الشركات، في استمرار حضور باريس داخل مناطق من مستعمراتها السابقة. لكن حجم هذا الحضور وطبيعته يختلفان من بلد إلى آخر، كما أن النخب المحلية لا تتحرك جميعها وفق نموذج واحد؛ إذ تتداخل مصالح داخلية وحسابات إقليمية ودولية في تشكيل موازين القوة.

وفي منطقة الساحل، تعكس التحولات التي شهدتها مالي والنيجر والغابون تراجعا أو إعادة تشكيل لأوجه من النفوذ الفرنسي، وإن اختلفت ظروف كل بلد ومساراته السياسية. ولا يعني ذلك بالضرورة انهيار جميع شبكات المصالح المرتبطة بباريس، لكنه يكشف أن العلاقات التي اعتُبرت لسنوات طويلة ثابتة باتت تواجه تحديات متزايدة، وأن عددا من الحكومات يسعى إلى تنويع شراكاته الخارجية وإعادة التفاوض بشأن شروط التعاون الاقتصادي والأمني.

أما في شمال إفريقيا، فتتخذ التحولات أشكالا أكثر تعقيدا، في ظل تداخل العلاقات التجارية والاستثمارية مع الحسابات السيادية والتنافس بين القوى الدولية. وتفتح إعادة توزيع النفوذ المجال أمام أسئلة جوهرية بشأن قدرة الدول على تحويل التغيرات الجيوسياسية إلى فرص لبناء اقتصاد منتج، بدلا من الاكتفاء باستبدال شريك خارجي بآخر أو إعادة توزيع الامتيازات بين مجموعات محلية.

من هذا المنطلق، فإن أي تراجع في قدرة باريس على حماية مصالحها الخارجية قد يضع شبكات اعتادت الاستفادة من قربها منها أمام اختبارات جديدة. غير أن نهاية تلك الشبكات ليست نتيجة آلية لأزمة المركز الفرنسي؛ فاستمرارها أو تفككها يرتبط أيضا بموازين القوى داخل البلدان المعنية، وبقوة المؤسسات، وشفافية الصفقات، وقدرة المجتمعات على فرض قواعد عادلة للمنافسة والمحاسبة.

إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في استبدال تبعية بأخرى، ولا في الاكتفاء بخطاب يحمّل الخارج وحده مسؤولية الاختلالات، بل في تفكيك منظومات الريع والاحتكار أينما وجدت، وإخضاع النفوذ الاقتصادي للمساءلة، وتوجيه الاستثمار نحو الإنتاج والتصنيع وخلق فرص العمل. فبناء اقتصاد وطني مستقل يتطلب مؤسسات قوية، وقضاء فعالا، ومنافسة حقيقية، وسياسات عمومية تجعل المصلحة العامة فوق الامتيازات الخاصة.

وعليه، فإن السؤال عن مستقبل الأوليغارشية الفرنسية يتجاوز مصير النخب التي تدير السلطة والثروة في باريس، ليطال طبيعة العلاقات التي ربطت فرنسا بعدد من شركائها السابقين. وإذا كانت التحولات الدولية تفتح نافذة لإعادة بناء هذه العلاقات على أسس أكثر توازنا، فإن تحويلها إلى قطيعة فعلية مع الريع والوساطة والاحتكار يظل رهينا بإرادة الإصلاح داخل كل دولة، وبقدرتها على بناء نموذج تنموي منتج لا يستمد استمراره من حماية الخارج، بل من قوة مؤسساته وكفاءة اقتصاده وثقة مواطنيه.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك