من أذربيجان إلى المغرب..كلفة التطبيع ومخاطر النفوذ الإسرائيلي في المجال الداخلي

من أذربيجان إلى المغرب..كلفة التطبيع ومخاطر النفوذ الإسرائيلي في المجال الداخلي
تقارير / الأحد 18 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:نعيم بوسلهام

تضعنا قضية منع الحجاب في المؤسسات التعليمية بجمهورية أذربيجان أمام إشكاليةٍ تتجاوز صرامة التنظيم المدرسي لتلامس جوهر السيادة الوطنية والعلاقة المأزومة بين الدولة والدين. بيد أن الأهمية التحليلية لهذه الواقعة لا تقف عند حدود استبداد النموذج العلماني المتصلب، بل تتعداه لتكشف عن "الكلفة البنيوية" للتحالفات الاستراتيجية مع الكيان الإسرائيلي، وما ينتج عنها من تمدد ناعم لشبكات النفوذ من مجالات الأمن والعسكر إلى القطاعات السيادية والحيوية: التعليم، الثقافة، الهوية، وتدبير الشأن الديني.

أولاً: أذربيجان والنموذج الوظيفي للتحالف مع تل أبيب

في دولة ذات غالبية مسلمة كأذربيجان، لا يمكن فصل القمع الممنهج للمظاهر الإسلامية — كحظر الحجاب في المدارس — عن الهندسة السياسية لورثة النظام السوفياتي. غير أن العوامل الداخلية وحدها لا تفكك المشهد كاملاً؛ فالتمدد الأذربيجاني في أحضان تل أبيب، تحت يافطة "الشراكة الأمنية والاقتصادية"، وفر بيئة سياسية ونفسية مشجعة للأنظمة للتمادي في تجريف الهوية المحلية تقرباً للدوائر الغربية والصهيونية.

وحتى دون السقوط في اختزال سببي وتبسيطي يزعم إصدار الكيان الصهيوني لتعليمات حظر الحجاب بقرارات مباشرة، فإن الواقع التحليلي يؤكد أن ارتهان القرار السياسي لدولة ما لحليف استعماري كإسرائيل يخلق بيئة مطاوعة لإعادة صياغة المجال العام وفق أجندات هندسة الهوية وتفكيك الروابط الجامعة.

ثانياً: الحالة المغربية والمسار الانحداري للتطبيع

تكتسب هذه الدينامية راهنيتها القصوى عند إسقاطها على المشهد المغربي، الذي شهد منذ دجنبر 2020 انزلاقاً متسارعاً نحو اختراق صهيوني شامل لمفاصل الدولة والمجتمع. لم يعد التطبيع في المغرب مجرد تفاهمات دبلوماسية أملتها حسابات جيوسياسية طارئة ارتبطت بالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه، بل تحول في ظرف وجيز إلى اختراق أخطبوطي تجاوز المؤسسات العسكرية والأمنية ليتغلغل في القطاعات الاجتماعية والأكاديمية والثقافية.

لقد كشفت حرب الإبادة الجماعية على غزة عن عمق الفجوة الأيديولوجية والأخلاقية بين خيارات النخبة الرسمية المصرة على المضي في مسار التطبيع، وبين الوجدان الجمعي للشعب المغربي الذي يرى في القضية الفلسطينية قضية وطنية ومبدأً غير قابل للمساومة. إن الاستمرار في هذا المسار رغم الجرائم اليومية للاحتلال لا يمثل ضرباً للموقف المغربي التاريخي فحسب، بل يشكل تهديداً صريحاً للشرعية المجتمعية والتوافق الوطني.

ثالثاً: الاختراق الأكاديمي وتفكيك السيادة التربوية والشأن الديني

إن الكلفة الأكثر خطورة للتطبيع في المغرب تتجلى في تسلل الكيان إلى منظومة التعليم، البحث العلمي، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. إن توقيع اتفاقيات الشراكة بين الجامعات المغربية والمؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية ليس نشاطاً علمياً بريئاً، بل هو تبييض إيديولوجي ومحاولة ممنهجة لكسر أواصر المقاطعة الثقافية، واستنبات المناهج والروايات الصهيونية في الوعي الأكاديمي الوطني.

يتجاوز الأمر ذلك ليمس قطاعات خطيرة في تدبير الحقل الديني وتحديث المدوّنات التشريعية (كمدوّنة الأسرة). فالخطورة هنا لا تكمن في مطالبات الإصلاح الذاتي الناتجة عن تطور المجتمع، بل في فتح المجال لتأثيرات وضغوط خارجية، تحت مسّميات التسامح والديانة الإبراهيمية المُخترَعة، لتفكيك المرجعيات الدستورية والدينية للمملكة واستبدالها بنماذج "مهندسة" تخدم اختراق المنظومة القيمية.

وتزداد هذه الريبة مشروعية حين يُستغل المكون العبري التاريخي لليهود المغاربة — باعتباره جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية — كذريعة للتغطية على مطامع دولة الاحتلال الإسرائيلي، والتغطية على الاختراق الأمني والسياسي الذي يهدد استقلال المؤسسات الوطنية.

رابعاً: نقد مسار التطبيع كضرورة وقائية لحماية السيادة

إن الدرس القادم من التجربة الأذربيجانية، والمُثبت في الواقع المغربي، هو أن التطبيع ليس خياراً دبلوماسياً بلا كلفة، بل هو عملية مقايضة تتنازل فيها الدول تدريجياً عن أجزاء حيوية من سيادتها الوطنية لصالح نفوذ أجنبي لا يتوانى عن الاستثمار في الأزمات وتعميق الفجوات بين الأنظمة وشعوبها.

إن مسار التطبيع في المغرب بات يتطلب مراجعة جذرية ومساءلة شعبية وسياسية حازمة، ترتكز على المحددات التالية:

1- إيقاف النزيف الاختراقي: الإلغاء الفوري لكافة الاتفاقيات الأكاديمية والمؤسساتية التي تفتح الباب لاختراق المنظومة التعليمية والثقافية المغربية.

2- استعادة التوافق الوطني: الاستجابة لصوت الشارع المغربي الرافض للتطبيع، والتأكيد على أن المصالح الاستراتيجية العليا للدولة لا يمكن أن تتناقض مع المبادئ الأخلاقية والحقوقية للشعب المغربي في دعمه للشعب الفلسطيني.

3- تحصين المؤسسات: منع أي نفوذ غير شفاف في ملفات التشريع، الحقل الديني، والتعليم، واعتبار استقلال القرار الوطني خطاً أحمر لا تخضع مقتضياته للمناورات الجيوسياسية.

إن نجاح أية سياسة خارجية لا يُقاس بحجم الأوهام الدبلوماسية المقطوعة مع حلفاء طارئين، بل بقدرتها على صون السيادة الوطنية، حماية التماسك المجتمعي، والالتزام بالمرجعيات الأخلاقية والتاريخية للأمة.

إن التطبيع مع كيان استيطاني محتل ليس مساراً آمناً للسيادة، بل هو مدخل مشرع لتفتيت الاختيارات الوطنية، وتجريد القرار المستقل من مضمونه الفعلي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك