أنتلجنسيا:أبو آلاء
في خطوة غير مسبوقة تحمل رسائل واضحة إلى الأحزاب السياسية والمرشحين، قررت السلطات تشديد الرقابة على الأموال المتداولة خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بعدما أصبح الفضاء الرقمي جزءا أساسيا من المعركة الانتخابية ومجالا تنفق فيه مبالغ متزايدة لاستقطاب الناخبين والتأثير على الرأي العام.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية المرتقبة، دخلت الحملات الرقمية رسميا دائرة التتبع المالي والمحاسباتي، بعدما أقرت الحكومة حزمة من الإجراءات الجديدة التي تفرض على الأحزاب السياسية والمترشحين الكشف الدقيق عن النفقات المرتبطة بالإعلانات والأنشطة التواصلية المنجزة عبر المنصات الإلكترونية ووسائل الإعلام الخاصة، ضمن وثائق مالية إلزامية تخضع للمراقبة والتدقيق.
القرارات الجديدة، التي حملت توقيع وزراء الداخلية والعدل والاقتصاد والمالية، تعكس توجها نحو إحكام الرقابة على مصادر التمويل الانتخابي ومسارات صرف الأموال، بعدما تحول العالم الرقمي إلى ساحة موازية للحملات التقليدية، وأصبح يلعب دورا متزايدا في صناعة الصورة السياسية والتأثير في توجهات الناخبين.
وبموجب هذه المقتضيات، باتت الأحزاب مطالبة باعتماد نماذج محاسبية أكثر تفصيلا وشفافية، تسمح بتحديد طبيعة الموارد المالية ومصادرها وكيفية إنفاقها، سواء تعلق الأمر بالأموال الذاتية أو بالدعم العمومي الموجه للهيئات السياسية. كما أصبح من الضروري توثيق مختلف المصاريف المرتبطة بالحملات الانتخابية، بما في ذلك الإنفاق الرقمي الذي ظل لسنوات خارج دائرة التدقيق المفصل.
وفي سياق تشديد المراقبة، أصبح كل وكيل لائحة أو مترشح ملزما بفتح حساب بنكي مستقل ومخصص حصريا للحملة الانتخابية، تمر عبره جميع الموارد والنفقات دون استثناء، في محاولة لضمان تتبع أكثر دقة لحركة الأموال المرتبطة بالعملية الانتخابية. كما ألزم المشرع المترشحين بإيداع ملفاتهم المالية الكاملة لدى المجلس الأعلى للحسابات داخل أجل محدد بعد الإعلان الرسمي عن النتائج.
ولم تتوقف الإجراءات الجديدة عند حدود الحملات الانتخابية فقط، بل امتدت إلى طريقة تدبير مالية الأحزاب السياسية نفسها، من خلال مراجعة القواعد المحاسبية المعمول بها وتشديد شروط إثبات النفقات والمصاريف، بما في ذلك العمليات المالية الصغيرة التي أصبحت تتطلب وثائق داعمة وتوقيعات متعددة لضمان سلامة المساطر والحد من أي تجاوزات محتملة.
كما وسعت الإصلاحات الجديدة مجال المراقبة ليشمل مختلف أوجه الدعم العمومي الذي تستفيد منه الأحزاب، سواء المرتبط بتنظيم المؤتمرات الوطنية أو بتعزيز مشاركة النساء أو ببرامج التأطير والتكوين، إضافة إلى فرض ضوابط أكثر صرامة بشأن الهبات والتبرعات والقروض وأجور العاملين والخبراء المتعاونين مع التنظيمات السياسية.
ويرى متابعون أن هذه الإجراءات تعكس إدراكا متزايدا للتحولات التي يعرفها العمل السياسي في المغرب، حيث لم تعد الحملات الانتخابية تدار فقط في الشوارع والساحات العمومية، بل انتقلت بشكل كبير إلى الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، ما جعل تتبع الإنفاق الرقمي ضرورة ملحة لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
ومع دخول هذه المقتضيات حيز التنفيذ، تبدو الأحزاب السياسية والمرشحون أمام مرحلة جديدة عنوانها التدقيق والمساءلة، حيث لن يكون الإنفاق الانتخابي الرقمي بعيدا عن أعين المراقبة، في وقت تراهن فيه السلطات على جعل انتخابات شتنبر المقبلة أكثر شفافية وقدرة على تتبع مصادر الأموال وطرق صرفها، بعيدا عن المناطق الرمادية التي ظلت تثير الكثير من الجدل خلال الاستحقاقات السابقة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك