العدالة تحت الحصار والنقيب الجامعي يفضح إصلاحًا مزيفًا وحكومة تنتقم من المحامين

العدالة تحت الحصار والنقيب الجامعي يفضح إصلاحًا مزيفًا وحكومة تنتقم من المحامين
تقارير / الأحد 18 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

فجّر النقيب عبد الرحيم الجامعي نقاشًا سياسيًا وقانونيًا من العيار الثقيل، حين وضع إصلاح مهنة المحاماة داخل سياقه الحقيقي، معتبرًا أن أي حديث عن إصلاح معزول في قطاع ينخره الخلل والفساد ليس سوى وهم مؤسسي يراد تسويقه للرأي العام.

فالعدالة، بحسبه، لا يمكن أن تُنقذ بقوانين تقنية أو تعديلات جزئية، ما دامت باقي مؤسسات الدولة تعيش اختلالات بنيوية تجعل أي إصلاح شكليًا وفاقدًا للروح.

الجامعي، الذي كان يتحدث في ندوة نظمها حزب التقدم والاشتراكية بالرباط حول مشروع قانون مهنة المحاماة، أكد أن معادلة الإصلاح واضحة ولا تقبل الالتفاف: لا عدالة بدون محاماة قوية ومستقلة، ولا محاماة بدون عدالة حقيقية. وهي حقيقة، يقول، يجب أن تستوعبها الحكومة بدل الهروب إلى الأمام بتمرير نصوص تضرب جوهر المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع.

ورغم الاعتراف بالمجهودات المبذولة منذ دستور 2011 لتنزيل استقلال القضاء وملاءمة منظومة العدالة مع المبادئ الدستورية، شدد الجامعي على أن الواقع يعكس قلقًا متزايدًا داخل الجسم القضائي والحقوقي، بسبب استمرار أعطاب عميقة في الممارسة اليومية، جعلت المغرب يحتل مراتب متأخرة في مؤشرات إصلاح العدالة، وهو ما وصفه بـ”العار المؤسساتي” غير المقبول في دولة تدّعي بناء دولة الحق والقانون.

الجامعي لم يُبرئ أحدًا من المسؤولية، لكنه أوضح أن الخلل ليس بالضرورة مرتبطًا بالأشخاص على رأس السلطة القضائية أو النيابة العامة، بقدر ما هو ناتج عن منظومة مختلة تمارس ضغطًا خانقًا على القضاة، وتدفعهم لإنتاج أحكام ضعيفة التعليل والجودة، تحت سطوة الأرقام والآجال الاسترشادية والتفتيش والتعليمات غير المعلنة. واقع تُرجمه، بحسبه، الارتفاع المهول في عدد الطعون الذي تجاوز خمسين ألف طعن، في مؤشر خطير على أزمة ثقة في الأحكام القضائية.

أما جائحة كوفيد، فقد اعتبرها الجامعي لحظة اغتيال حقيقية للمحاماة، حيث جرى سحق المهنة وضرب حقوق المتقاضين، وتحويل المحاكم إلى فضاءات صورية تُدار عن بُعد، في محاكمات وصفها بـ”الرعب الإلكتروني”، لا يسمع فيها القاضي ولا المحامي ولا المتهم، ومع ذلك تصدر فيها أحكام خطيرة تمس الحريات، بما في ذلك في القضايا الجنحية، فما بالك بالجنائية. تداعيات هذه المرحلة، يؤكد، لا تزال مستمرة إلى اليوم.

بعد الجائحة، دخلت المحاماة في صدامات متتالية مع الدولة، بدءًا بالقرارات الضريبية، مرورًا بقانون المسطرة المدنية الذي قُلّصت بموجبه حقوق التقاضي، وصولًا إلى مشروع المسطرة الجنائية الذي أثار رفضًا واسعًا داخل البرلمان وخارجه، ومن مؤسسات دستورية وحقوقية رسمية. ومع ذلك، اختارت الحكومة المضي في تمرير نصوص، يقول الجامعي، لم تكن هي نفسها التي تم الإعلان عنها في البداية، بل خرجت من دهاليز الأمانة العامة للحكومة بشكل صادم ومثير للغضب.

الأخطر، حسب الجامعي، أن مشروع قانون مهنة المحاماة يمثل انقلابًا حقيقيًا على مكتسبات تاريخية، ويكشف أن الحكومة لا تعترف باستقلال الدفاع، بل تسعى إلى تدجينه، وضرب حصانته، وخلط دوره في بناء الديمقراطية ومحاربة الفساد بمنطق أمني يهدف إلى إسكات الأصوات المزعجة. فالمشروع، في نظره، لا يحارب الفساد، بل يسعى إلى إسكات من يحاربونه، عبر تقييد دور المحامين والمنظمات الحقوقية والسياسية، وتقليص حق الدفاع، ومنع المحامين من مؤازرة المعتقلين في الساعات الأولى للاعتقال.

الجامعي لم يتردد في اتهام الحكومة بالانتقام من المحامين لأنهم يشكلون “قوة مضادة” حقيقية، تواجه الشطط والاستبداد بالقانون والمحاكم والإعلام والنضال السلمي. وهو ما يزعج السلطة، ويدفعها لمحاولة تحييد المهنة وتكميمها بدل الاستماع إلى تحذيراتها.

كما استغرب منح وزارة العدل صلاحية تسجيل المحامين الأجانب دون الرجوع لمؤسسات المهنة، في وقت يُفترض فيه أن تكون المحاماة الوطنية ركيزة لجذب الاستثمار، لا ضحية لمنطق استعماري جديد يسمح للشركات الأجنبية بجلب محاميها وخبرائها، وكأن الكفاءات المغربية عاجزة أو غير مؤهلة.

خلاصة موقف الجامعي كانت قاطعة: العدالة المغربية لا تعاني من نقص القوانين، بل من فائض التحكم وسوء التدبير، ومن اختيارات سياسية تريد عدالة مطواعة بدل عدالة مستقلة. وإلى أن تدرك الحكومة أن إسكات المحامين يعني ضرب آخر خطوط الدفاع عن الحقوق والحريات، سيظل “الإصلاح” مجرد شعار فارغ، وعدالة بلا روح، ودولة قانون بلا قانون.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك