أنتلجنسيا:أبو جاسر
فتح ألبرتو نونييث فييخو، زعيم الحزب الشعبي الإسباني، جبهة سياسية جديدة ضد حكومة بيدرو سانشيز، مستغلاً أزمة الهجرة غير النظامية في سبتة لتوجيه انتقادات حادة إلى طريقة تدبير مدريد لملف الحدود والعلاقة مع المغرب، ومطالباً في الوقت نفسه بالسماح للملك فيليبي السادس بزيارة المدينة.
وقال فييخو، وفق ما نقلته وكالة «أوروبا برس»، إن الملك يرغب في التوجه إلى سبتة، معتبراً أن حضوره هناك يدخل ضمن مسؤولياته كرئيس للدولة، خصوصاً في ظل ما وصفه بوضع استثنائي ذي أبعاد إنسانية وصحية وأمنية.
وربط زعيم المعارضة الإسبانية بين الزيارة التي يطالب بها للملك وبين المسؤوليات الدستورية المنوطة به في ما يتعلق بوحدة الأراضي الإسبانية وسيادتها، مؤكداً أنه لو كان يتولى رئاسة الحكومة لكان أعلن بنفسه عن زيارة فيليبي السادس إلى سبتة، وإن أقر في المقابل بأن تحديد موعدها يحتاج إلى مزيد من المعطيات، في ظل استمرار علامات الاستفهام حول خلفيات موجة الهجرة التي شهدتها المدينة في نهاية يوليوز.
ويأتي تصعيد فييخو بعد اللقاء الذي جمع الملك فيليبي السادس برئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس في قصر ماريفينت بمايوركا مطلع غشت الجاري. وكان فيفاس قد تحدث عقب اللقاء عن رغبة الملك في زيارة المدينة، لكنه أوضح أن تنفيذ الزيارة يظل مرتبطاً بموافقة الحكومة المركزية في مدريد.
واستغل زعيم الحزب الشعبي التطورات لتوجيه هجوم مباشر إلى حكومة سانشيز، متهماً إياها باللامبالاة وسوء التدبير، ومطالباً بالكشف عن جميع المعلومات المتوفرة لدى السلطات الإسبانية بشأن موجة الهجرة الجماعية التي ضربت سبتة.
وقال فييخو إن حكومة الحزب الشعبي، لو كانت في السلطة، كانت ستعتمد على المعلومات المتاحة لدى أجهزة الاستخبارات والشرطة والحرس المدني، كما كانت ستدخل في اتصال فوري مع المغرب من أجل محاولة وقف ما وصفه بتدفق أعداد كبيرة من المهاجرين نحو المدينة.
ولم يكتف زعيم المعارضة بانتقاد ما يعتبره قصوراً حكومياً، بل أدخل فرضية أكثر حساسية إلى قلب السجال، عندما قال إنه لا يريد الاعتقاد بوجود «تواطؤ» بين الحكومة الإسبانية والمغرب، لكنه اعتبر أن إثبات مثل هذا الأمر، إذا حدث، سيكون قضية بالغة الخطورة. وفي الوقت نفسه، شدد على أن ما يراه لامبالاة وعدم كفاءة من جانب حكومة سانشيز أمر ثابت بالنسبة إليه.
كما هاجم استمرار الحكومة الإسبانية في وصف التعاون مع الرباط بأنه نموذج ناجح، متسائلاً عن الأسباب التي أدت إلى وقوع ما حدث في سبتة، وما إذا كانت السلطات الإسبانية تمتلك معلومات مسبقة بشأن التطورات التي سبقت موجة الهجرة التي شهدتها المدينة.
وفي واحدة من أكثر تصريحاته حساسية تجاه المغرب، قال فييخو إن الرباط «إما سمحت أو شجعت» موجة الهجرة التي وصلت إلى سبتة في نهاية يوليوز، في اتهام سياسي لم يقدم بشأنه، وفق المعطيات الواردة، أدلة حاسمة، لكنه يعكس مستوى التصعيد الذي بات يحكم خطاب المعارضة الإسبانية تجاه الرباط.
ورغم ذلك، حاول زعيم الحزب الشعبي وضع سقف سياسي لانتقاداته، مؤكداً أن إسبانيا تحتاج إلى الحفاظ على علاقة جوار وصداقة مع المغرب، لكنه اشترط أن تقوم هذه العلاقة، بحسب تعبيره، على التبادلية والوفاء والاحترام.
وشدد على أن مدريد لا تريد افتعال أزمة مع الرباط، لكنها في المقابل، وفق موقفه، لا يمكن أن تقبل بما يعتبره تهديداً أو ابتزازاً من أي طرف.
غير أن فييخو ذهب أبعد في مهاجمة سياسة سانشيز، حين اعتبر أن ما وصفه بـ«الدبلوماسية الخفية» مع المغرب أضعفت الموقف الإسباني، ووجه إلى رئيس الحكومة اتهاماً سياسياً بالغ الحدة، قائلاً إنه يتصرف كما لو كان أقرب إلى أن يكون تابعاً للمغرب منه إلى كونه رئيساً لحكومة إسبانيا.
ولم يترك زعيم المعارضة ملف العلاقات المغربية الإسبانية عند حدود الهجرة وسبتة، بل وسّع دائرة الهجوم لتشمل قضية الصحراء، مؤكداً أن أي حكومة يقودها الحزب الشعبي ستعيد النظر في مضمون الاتفاق الذي توصلت إليه حكومة سانشيز مع الرباط بشأن هذا الملف.
كما طالب بأن يخضع موقف مدريد من قضية الصحراء لنقاش داخل البرلمان الإسباني، معلناً أن حزبه لن يعتبر نفسه ملزماً باتفاقات قال إنه لا يعرف مضمونها أو تفاصيلها.
وهكذا، يكشف التصعيد الجديد أن ملف سبتة يتحول تدريجياً إلى سلاح سياسي في المواجهة بين الحكومة الإسبانية والمعارضة، بعدما ربط فييخو بين موجة الهجرة، وطريقة إدارة الحدود، والعلاقة مع المغرب، والملف الصحراوي.
وبالنسبة إلى الحزب الشعبي، لم تعد القضية مجرد أزمة حدودية عابرة، بل فرصة لإعادة فتح ملف السياسة الإسبانية تجاه الرباط برمته. أما حكومة سانشيز فتجد نفسها أمام ضغط متزايد من المعارضة المطالبة بتفسيرات حول ما جرى في سبتة، وحول طبيعة التنسيق مع المغرب، وحول القرارات الاستراتيجية التي اتخذتها مدريد في السنوات الأخيرة بشأن علاقاتها مع جارها الجنوبي.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه فييخو حاجته إلى علاقة مستقرة مع المغرب، فإن خطابه الأخير يضع هذه العلاقة في قلب المعركة الانتخابية والسياسية الإسبانية، ويفتح الباب أمام مواجهة أوسع قد تمتد من سبتة ومليلية إلى الهجرة والصحراء ومستقبل الشراكة بين مدريد والرباط.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك