أنتلجنسيا:أبو جاسر
يُفتح تاريخ 23 مارس مجددًا على وقع دلالاته السياسية الحارقة، مع إعلان التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد داخل الحزب الاشتراكي الموحد، عن تنظيم ندوة صحافية لتقديم أرضيته الفكرية والسياسية.
في خطوة، لا يمكن فصلها عن الإرث النضالي الراديكالي، الذي طبع هذا التاريخ في الذاكرة السياسية المغربية، حين ارتبط باسم حركة 23 مارس، إحدى أبرز تعبيرات اليسار الجذري الذي رفع في سبعينيات القرن الماضي، شعارات التغيير الجذري وتبنى أطروحات اشتراكية، وصلت حد المطالبة بإسقاط الملكية، قبل أن يُواجه بقمع شديد ومحاكمات طالت مناضليه.
البلاغ الصادر عن التنسيقية يعلن عن تقديم “أرضية اليسار الجديد المتجدد” يوم 23 مارس 2026 بالعاصمة الرباط، تحت شعار يحمل طموح إعادة بناء مشروع يساري للمستقبل، غير أن اختيار هذا التاريخ بالذات يفتح الباب أمام قراءة سياسية تتجاوز مجرد موعد تنظيمي، ليحمل في طياته رسائل رمزية تعيد استحضار مرحلة كانت فيها المواجهة بين الدولة واليسار الراديكالي في أوجها.
الأرضية، المرتقب عرضها تتوزع على محاور استراتيجية تشمل تقييم الوضع السياسي القائم، وصياغة برنامج حزبي بديل، وإعادة التفكير في التحالفات وآليات التنظيم، إلى جانب قضايا الهوية والمسألة الثقافية والدينية والعلمانية، في محاولة واضحة لإعادة تموقع داخل مشهد سياسي يعرف تحولات عميقة.
غير أن هذا الطرح، رغم طابعه الفكري، لا ينفصل عن سؤال أكبر يتعلق بمدى قدرة اليسار المغربي اليوم على استعادة وهجه التاريخي في ظل تراجع تأثيره الانتخابي والشعبي.
تحليليًا، يبدو أن هذا الإعلان يعكس رغبة داخل بعض مكونات اليسار في كسر حالة الجمود وإعادة طرح أسئلة كبرى حول طبيعة النظام السياسي والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، ولو بلغة أقل صدامية من الماضي. لكن استدعاء رمزية 23 مارس يظل مشحونًا بدلالات قوية، خاصة في سياق تاريخي شهد صراعًا مفتوحًا بين الدولة وتنظيمات يسارية راديكالية، انتهى بتفكيكها وإدماج جزء من مكوناتها لاحقًا في العمل السياسي المؤسساتي.
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بندوة صحافية أو وثيقة سياسية، بل بمحاولة لإعادة إحياء نقاش قديم بصيغة جديدة:هل يمكن لليسار أن يعود كقوة اقتراحية مؤثرة، أم أن السياق تغير بشكل يجعل من تلك الرهانات مجرد صدى لمرحلة مضت؟
وبين ذاكرة القمع وأحلام التغيير، يتحول 23 مارس مرة أخرى إلى لحظة سياسية مكثفة، تختزل توتر العلاقة بين التاريخ والراهن، وبين الراديكالية والواقعية داخل المشهد الحزبي المغربي.

لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك