لماذا تأخر ظهور أدب السجون المنبثق عن تجربة المعتقلين الإسلاميين في المغرب؟(الحلقة2)

لماذا تأخر ظهور أدب السجون المنبثق عن تجربة المعتقلين الإسلاميين في المغرب؟(الحلقة2)
بانوراما / الجمعة 21 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

هيئة الإنصاف والمصالحة وحدود الذاكرة الرسمية

لا يمكن فهم شروط تشكل أدب السجون المغربي بمعزل عن التحول الحقوقي الذي بدأ ملامحه الأولى تتضح في التسعينيات وتعمق بشكل جوهري بعد اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999. فقد أتاحت التحولات السياسية والصحفية آنذاك مساحة أكبر بكثير مما كان متاحا سابقا للكشف عن ملفات الاعتقال السياسي والاختفاء القسري والتعذيب التي طبعت عقودا سابقة. وفي هذا السياق، وقع الملك محمد السادس في السابع من يناير 2004 ظهيرا ملكيا يقضي بإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، وهي هيئة مغربية غير قضائية أنيطت بها مهمة معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة في الفترة الممتدة من سنة 1956، تاريخ الاستقلال، إلى سنة 1999 [4]. وقد ارتبط عمل الهيئة، الذي ترأسه في البداية الحقوقي الراحل إدريس بنزكري ثم خلفه أحمد حرزني والان تحت رئاسة امينة بوعياش، بأربعة محاور رئيسية هي كشف الحقيقة، وجبر الضرر الفردي والجماعي، وحفظ الذاكرة الوطنية، وتحقيق مصالحة مجتمعية شاملة، وذلك عبر جلسات استماع علنية غير مسبوقة وتحقيقات معمقة وتوصيات مؤسساتية شاملة [4، ص. 1-48].

عملت الهيئة على مدى ثلاثة وعشرين شهرا، قبل أن ترفع تقريرها الختامي إلى الملك في 30 نونبر 2005 مرفقا بتوصياتها النهائية، في حدث اعتبر إعلانا رسميا لنهاية مهمتها وحلها [10]. وقد نجحت الهيئة، بحسب متابعات المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي ورث ملفاتها لاحقا، في تعويض ما يزيد على 27 ألف حالة من ضحايا الانتهاكات الجسيمة بغلاف مالي ناهز ملياري درهم، فضلا عن توصيات تتعلق بالتأهيل النفسي والصحي والإدماج الاجتماعي للضحايا وذوي حقوقهم. أسهمت الهيئة، بلا شك، في إنتاج إطار شرعي مؤسسي ومعترف به رسميا للاعتراف بالضحايا وتوثيق جزء مهم من انتهاكات سنوات الرصاص، لكنها في الوقت ذاته حددت، بحكم صلاحياتها القانونية المؤطرة بظهير التأسيس، حدودا زمنية وموضوعية صارمة للذاكرة التي تناولتها.

والمفارقة البنيوية التي تكشفها هذه الدراسة هي أن الموجة الكبرى من الاعتقالات الإسلامية، وهي الأوسع من حيث العدد والأشد من حيث القسوة الموثقة حقوقيا، جاءت بعد سنة 2003، أي بعد الفترة الزمنية التي ركزت عليها ولاية الهيئة المنتهية عند سنة 1999. ولذلك نشأ انفصال زمني ومؤسساتي واضح بين الذاكرة الرسمية لسنوات الرصاص، بما راكمته من اعتراف مؤسسي وتعويضات وأرشفة، والذاكرة الإسلامية الجديدة المرتبطة بما يسمى الحرب على الإرهاب، والتي لم تحظ بالية مؤسساتية مماثلة لمعالجتها حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة. وهذا لا يعني بالضرورة أن الإسلاميين لم يتعرضوا لأشكال من القمع قبل سنة 1999، فقد أشرت إلى وجود اعتقالات إسلامية سابقة على هذا التاريخ دخل بعضها فعليا ضمن اختصاص الهيئة، بل يعني أن جزءا مهما وواسعا من التجربة الإسلامية، وتحديدا الجزء الأحدث زمنيا والأكثر حضورا في الوعي الجماعي المعاصر، لم يدخل في الإطار المؤسساتي نفسه الذي احتضن شهادات اليسار والعسكريين ومنحها اعترافا رسميا وتعويضا ماديا ومعنويا.

إن الذاكرة الرسمية، من هذا المنظور التحليلي، ليست مرآة محايدة تعكس بأمانة كل ما وقع من انتهاكات، بل هي في جوهرها نتيجة اختيار مؤسساتي محكوم بسقف زمني وموضوعي ولغوي يحدد من يدرج ومن يستبعد. وحين تبنى الذاكرة الوطنية حول مفهوم مركزي هو (سنوات الرصاص)، وهو مفهوم زمني محدد بدقة، فإن بعض الجماعات قد تدرج ضمنه بينما تستبعد أخرى بحكم توقيت تجربتها، أو قد تستدعى بعض تجاربها الجزئية ضمن سردية عامة أشمل دون أن تمنح مساحة مستقلة كافية لتأويل تجربتها الخاصة بلغتها الخاصة. ولهذا يمكن القول، بشيء من الدقة المنهجية، إن هيئة الإنصاف والمصالحة ساعدت بالفعل على إرساء وترسيخ الشروط المؤسساتية العامة التي أتاحت لاحقا تشكل أدب السجون المغربي، لكنها لم تدمج بالدرجة نفسها الذاكرة الإسلامية اللاحقة زمنيا، الأمر الذي أبقى هذه الأخيرة في وضعية هامشية نسبيا داخل السردية الرسمية للعدالة الانتقالية.

ويؤكد تقرير هيومن رايتس ووتش أن هيئة الإنصاف والمصالحة ولدت في لحظة تاريخية متناقضة، اتسمت بتحسن حقوقي ملموس على مستوى معالجة ملفات الماضي من جهة، وتدهور مواز في التعامل مع قضايا مكافحة الإرهاب الجارية آنذاك من جهة أخرى، الأمر الذي خلق ما يشبه المأزق البنيوي بين التركيز المؤسسي على جبر انتهاكات الماضي البعيد والتغاضي النسبي عن انتهاكات الحاضر القريب [5]. ومن هذه الزاوية بالتحديد، لا ينبغي دراسة الهيئة باعتبارها فشلا مطلقا أو نجاحا كاملا لا تشوبه شائبة، بل باعتبارها مؤسسة أنتجت ذاكرة ذات حدود واضحة، وفتحت إمكانات حقيقية وغير مسبوقة للاعتراف والتعويض، لكنها لم تستوعب بحكم تأسيسها القانوني جميع مسارات العنف السياسي التي عرفها المغرب لاحقا، وهو ما يفسر جزئيا الفجوة الأدبية موضوع هذه الدراسة.

الوصم وشرعية الضحية

تحتاج الشهادة، من الناحية السوسيولوجية، إلى مستمع مستعد لتلقيها قبل أن تحتاج إلى كاتب قادر على صياغتها. فإذا كان المجتمع، أو قطاع واسع منه، لا يعترف بالمتكلم بوصفه ضحية شرعية تستحق التعاطف والإصغاء، فإن الكتابة، حتى لو وجدت فعليا، قد تظل محصورة في دوائر ضيقة لا تتجاوز الجماعة أو الأسرة أو النخبة المتخصصة. وهنا بالتحديد تظهر مشكلة بنيوية يمكن تسميتها (شرعية الضحية) لدى المعتقل الإسلامي في السياق المغربي المعاصر. فالتعاطف مع معاناته الجسدية والنفسية الموثقة قد يفهم أحيانا، خطأ، بوصفه تعاطفا ضمنيا مع أفكاره الدينية أو السياسية، أو مع جماعته التنظيمية، أو حتى مع أعمال العنف التي نسبت إلى بعض الأفراد المنتمين إلى تيارات قريبة منه. وهذه المساواة الملتبسة، وغير المشروعة منطقيا وأخلاقيا، بين التعاطف الإنساني من جهة والموافقة السياسية أو الفكرية من جهة أخرى، تؤدي في نهاية المطاف إلى عزل الضحية أخلاقيا عن الفضاء العام القادر على الاستماع إليها.

ينبغي، من منظور حقوقي وأكاديمي رصين، الفصل الصارم بين ثلاثة مستويات تحليلية متمايزة لا يجوز الخلط بينها: مستوى المسؤولية عن فعل جنائي محدد يخضع للتحقيق والمحاكمة، ومستوى حق المتهم، أيا كانت التهمة الموجهة إليه، في محاكمة عادلة تحترم الضمانات القانونية الأساسية، ومستوى حق السجين أو المعتقل، بصرف النظر عن إدانته من عدمها، في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وهذا الفصل الثلاثي لا يبرئ المتهم تلقائيا من التهم الموجهة إليه، ولا يقرر بأثر رجعي براءته أو إدانته، لكنه يمنع بشكل قاطع استخدام الاتهام، مهما بلغت خطورته المفترضة، ذريعة لإلغاء إنسانية المتهم أو تجريده من حقوقه الأساسية. وقد شدد تقرير هيومن رايتس ووتش بوضوح على أن حظر التعذيب مبدأ مطلق لا يقبل الاستثناء أو التقييد بأي ظرف، وأن الاعتقال يجب ألا يكون تعسفيا بأي حال، وأن المحاكمات ينبغي أن تحترم المعايير الدولية الأساسية للمحاكمة العادلة بصرف النظر عن طبيعة التهمة [3].

إن غياب هذا الفصل التحليلي الثلاثي في المجال الثقافي والإعلامي المغربي ينعكس سلبا وبشكل مباشر على حقل الأدب والكتابة. فالكاتب الإسلامي، حين يفكر في تدوين تجربته، قد يتوقع مسبقا، بناء على تجارب سابقة أو ملاحظة مباشرة لكيفية استقبال نصوص مشابهة، أن يقرأ نصه دفاعا ضمنيا عن العنف أو الإرهاب بدل أن يقرأ شهادة موثقة على التعذيب والانتهاك؛ وقد يفضل الصمت، بناء على هذا التوقع، على الدخول في معركة تبرير مستمرة ومنهكة نفسيا أمام قراء متشككين سلفا. كما قد يتجنب الناشر نشر مثل هذا النص خوفا من ردود الفعل السياسية أو الأمنية أو التجارية، وقد يتردد الباحث الأكاديمي نفسه في الاقتراب من الموضوع بسبب حساسيته السياسية العالية وخشية أن يفهم اهتمامه البحثي بوصفه تعاطفا أيديولوجيا. وهكذا يتحول الوصم الاجتماعي، تدريجيا، إلى آلية فعالة لإنتاج الصمت، لا عبر المنع المباشر أو الرقابة الصريحة بالضرورة، بل عبر جعل فعل الكتابة نفسه مكلفا رمزيا ومهنيا ومؤسساتيا على نحو يثني عنه كثيرين ممن يمتلكون شهادات جديرة بالتوثيق.

ويزداد هذا الإشكال تعقيدا حين نأخذ بعين الاعتبار الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في تكريس هذه الصورة النمطية أو تفكيكها. فالتغطية الإعلامية لقضايا الإرهاب، سواء في المغرب أو خارجه، تميل غالبا إلى التركيز على الجانب الأمني والاستخباراتي للقضية، مع تهميش نسبي للجانب الإنساني المتعلق بظروف الاحتجاز والمحاكمة. وهذا التحيز البنيوي في التغطية الإعلامية، وإن لم يكن مقصودا بالضرورة، يسهم في ترسيخ الإطار الأمني على حساب الإطار الحقوقي والإنساني في الوعي الجماعي، مما يزيد من صعوبة أن يجد المعتقل الإسلامي السابق منصة إعلامية مستعدة لتقديم شهادته من دون تأطيرها مسبقا ضمن سياق أمني أو استخباراتي يقلل من قيمتها الإنسانية والأدبية.

الحقل الثقافي وشبكات تحويل التجربة إلى أدب

لا يولد أدب السجون من الألم وحده مهما بلغت حدة هذا الألم وصدقه الإنساني فهو، بوصفه ظاهرة أدبية واجتماعية، يحتاج إلى سلسلة متكاملة من الوسطاء الذين يتيحون انتقاله من التجربة الفردية إلى النص المتداول الكاتب نفسه، والمحرر الذي يصقل النص، والناشر الذي يخاطر بإصداره، والصحفي الذي يروج له، والناقد الذي يمنحه شرعية أدبية عبر التحليل، والأستاذ الجامعي الذي يدرجه في مقرراته وأبحاثه، والمؤسسة الحقوقية التي تحتضنه وتدافع عنه، وأخيرا الجمهور القارئ المستعد لتلقيه بانفتاح. وقد استفادت تجارب اليسار المغربي استفادة واضحة من اندماج عدد معتبر من المعتقلين السابقين، بعد خروجهم من السجن، في الجامعة والصحافة والنقابات ودور النشر، ومن وجود لغة سياسية وحقوقية جاهزة ومتداولة سلفا سمحت بتقديمهم إلى القراء بوصفهم معتقلين سياسيين يستحقون التضامن. أما الإسلاميون، فقد كان اندماجهم في الحقل الثقافي الحديث بهذا المعنى أقل انتظاما وأضعف كثافة، كما أن بعضهم ظل مرتبطا، بعد الإفراج عنه، بنشرات داخلية أو شبكات دعوية محدودة الانتشار لا تملك بالضرورة الأدوات التقنية والمهنية والعلاقاتية اللازمة لتحويل السيرة الفردية إلى عمل أدبي واسع التداول في السوق الثقافية العامة.

يعني ذلك، أن الفرق الجوهري بين التجربتين ليس متعلقا فقط بـ(القدرة على السرد) بوصفها ملكة فردية، بل هو متعلق أساسا بما يمكن تسميته البنية التحتية للذاكرة، أي مجموع المؤسسات والشبكات والقنوات التي تحوّل النص الفردي إلى مرجع جماعي مستقر. فالكتاب الذي لا يملك ناشرا محترفا وتوزيعا فعالا ونقدا مرافقا قد يبقى أثرا فرديا معزولا، حتى لو كان غنيا من الناحيتين الأدبية والتاريخية. كما أن الشهادة المنشورة في صحيفة يومية أو منصة رقمية قد تكون مؤثرة لحظيا وتحظى بتفاعل واسع عند نشرها، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى مرجع مستقر في الذاكرة الجماعية ما لم تحفظها المكتبات والأرشيفات الرسمية والخاصة، وما لم تعد الجامعات والمراكز البحثية قراءتها ضمن أطر تحليلية أوسع تربطها بسياقها التاريخي والاجتماعي.

يوضح الغبلي، في دراسته الرائدة حول العلاقة بين الصحافة والأدب الشهاداتي، أن الصحافة المغربية بعد سنة 1999 لعبت دورا محوريا في نشر السرديات السجنية وإدخال فظائع الماضي إلى النقاش العمومي عبر ما يسميه (فترة الانتشار الواسع) ثم (الفترة التأملية) اللاحقة لها، وأن هاتين الفترتين تشكلتا عبر نشر تسلسلي (بالحلقات) للمذكرات في الصحف اليومية، وهو أسلوب نشر أتاح وصول هذه النصوص إلى شريحة واسعة من القراء تجاوزت النخبة المثقفة الضيقة [1، ص. 113-144]. ويضيف الغبلي أن العلاقة بين الصحافة والأدب الشهاداتي لم تكن مجرد علاقة توزيع تقني محايد، بل كانت علاقة إعادة صياغة فعلية للمعنى، إذ يتدخل الصحفي والمحرر في كيفية تقديم الشهادة وسياقها وحجم المساحة المخصصة لها، وهو ما يجعل الوسيط الإعلامي شريكا فعليا في إنتاج الدلالة الجماعية للتجربة الفردية [1، ص. 113-144]. ومن هنا نفهم لماذا كان ضعف حضور الإسلاميين في الصحافة والنقد والجامعة عاملا مباشرا في تأخر التراكم الأدبي لتجربتهم، لا دليلا موضوعيا على ندرة هذه التجربة أو ضعف صدقها.

ويمكن، لفهم هذا التفاوت بشكل أعمق، رسم مقارنة تفسيرية بين شروط التراكم لدى تجربة اليسار والعسكريين من جهة، وتجربة المعتقلين الإسلاميين من جهة أخرى، عبر ستة مجالات متكاملة. ففيما يخص الإطار العام للتجربة، ارتبطت تجربة اليسار بالاعتقال السياسي في سياق سنوات الرصاص، بينما ارتبطت تجربة الإسلاميين، خصوصا في موجتها الكبرى، بملف مكافحة الإرهاب بعد 2003. وفيما يخص الشرعية العمومية، حظي اليسار بتعاطف حقوقي وثقافي نسبي متراكم عبر عقود، بينما ظلت شرعية المعتقل الإسلامي ملتبسة بسبب الوصم الأمني والسياسي المرافق لملفه. أما على مستوى الوسطاء، فقد امتلك اليسار شبكة متماسكة من الصحافة والنقابات والحقوقيين والناشرين والجامعات، في حين اعتمد الإسلاميون على شبكات أقل استقرارا وأضيق انتشارا، يغلب عليها التداول الداخلي أو الرقمي المتفرق. وعلى مستوى الأجناس الأدبية المنتجة، تنوعت كتابات اليسار بين المذكرات والروايات والشهادات والسيرة الذاتية بأشكالها المختلفة، بينما ظلت كتابات الإسلاميين أقرب إلى الشهادات والمذكرات المتفرقة مع ضعف واضح في التراكم النقدي المرافق لها. أما على مستوى العلاقة بالمؤسسات الرسمية، فقد حظي اليسار بحضور معتبر في الذاكرة الرسمية لسنوات الرصاص عبر هيئة الإنصاف والمصالحة، بينما ظل إدماج تجربة الإسلاميين محدودا، خصوصا فيما يتعلق بالموجة اللاحقة لسنة 2003. وأخيرا، على مستوى العوائق الداخلية، كان اليسار أقل ارتباطا، في حالات كثيرة، بضرورة كشف تفاصيل تنظيم سري حساس، بينما ظل الإسلاميون أكثر حذرا من كشف تفاصيل التنظيم والخلافات الداخلية والتحولات الفكرية التي قد تمس بجماعتهم أو بأفراد آخرين ما زالوا على قيد الحياة.

تجدر الإشارة إلى أن هذه المقارنة التفسيرية الشاملة لا تفيد بأي حال أن تجربة اليسار كانت أكثر ألما موضوعيا من تجربة الإسلاميين، أو أن المعتقلين الإسلاميين كانوا أقل تعرضا للانتهاكات الجسدية والنفسية الموثقة فالتقارير الحقوقية الدولية توثق بوضوح شدة الانتهاكات في كلتا التجربتين، كل في سياقها الزمني الخاص. إن ما تشرحه هذه المقارنة هو، حصريا، اختلاف شروط تحويل الألم إلى رأسمال رمزي معترف به اجتماعيا وثقافيا. فالتجربة اليسارية ارتبطت، عبر مسار تاريخي طويل من النضال الحقوقي والسياسي، بسردية وطنية اكتسبت الاعتراف تدريجيا وبشكل تراكمي، في حين دخلت التجربة الإسلامية، بحكم توقيتها التاريخي وارتباطها بسياق دولي متوتر لمكافحة الإرهاب، في حقل شديد الاستقطاب السياسي والأيديولوجي لم يمنحها الوقت الكافي لتراكم اعتراف مماثل.

وينبغي أن نضيف إلى هذا التحليل بعدا آخر يتعلق بالتقاليد النقدية والأكاديمية المغربية ذاتها. فقد شهد المغرب منذ سنة 2006 حركة نقدية ملحوظة حول أدب السجون، توجت بإصدار اتحاد كتاب المغرب، بدعم من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، كتابا جماعيا بعنوان (الذاكرة والإبداع: قراءات في كتابات السجن) سنة 2010، يضم دراسات وأبحاثا قدمت أصلا في ندوة علمية نظمت سنة 2006 [9]. وقد ركزت هذه الحركة النقدية، شأنها شأن معظم الدراسات الأكاديمية المغربية والدولية اللاحقة حول الموضوع، بشكل شبه حصري على النصوص الصادرة عن معتقلي اليسار والعسكريين، من قبيل مذكرات أحمد المرزوقي وفاطنة البيه ومحمد الرايس وغيرهم، دون أن تخصص مساحة مماثلة للتجربة الإسلامية التي كانت، في تلك اللحظة الزمنية المبكرة، لا تزال في طور التشكل الأولي. وهذا الغياب النقدي المبكر أسهم بدوره في تكريس هامشية التجربة الإسلامية داخل الحقل الأكاديمي المتخصص في أدب السجون المغربي، بما يشكل حلقة مفرغة يصعب كسرها إلا بمبادرات بحثية متعمدة تعيد التوازن إلى هذا الحقل.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك