بقلم : عبدالرزاق بوغنبور
لم تكن كأس
إفريقيا بالمغرب مجرد تظاهرة رياضية، بل لحظة كاشفة على مستويات أعمق بكثير:
اختبار
للانتماء،
امتحان
للأخلاق،
ومحاكمة
صامتة للخطاب السياسي والإعلامي الذي راكم أوهامًا أكثر مما راكم حقائق.
ما وقع قبل
وأثناء وبعد البطولة—وخاصة في المباراة النهائية—لم يكن طارئا ولا عرضيا، بل نتيجة
منطقية لمسار طويل من اللغة غير المختبرة، حيث ترفع الشعارات دون استعداد لتحمل
تبعاتها.
أولًا:
أسطورة الأخوّة العربية… حين تتبخر اللغة عند أول امتحان
العروبة، كما
استُعملت سياسيا وإعلاميا لعقود، قُدّمت باعتبارها رابطة وجدانية وقيمية. لكن كأس
إفريقيا أظهرت أنها—في صيغتها العملية—ليست سوى لغة ظرفية، تُستدعى حين تكون بلا
كلفة، وتُعلّق فور دخول الحسابات.
لم يكن
المطلوب من الدول أو الجماهير العربية أن تنحاز للمغرب بدافع العاطفة،
بل أن تنحاز
للقواعد،
للفكرة
البسيطة التي تقول إن الرياضة منافسة لا ابتزاز،
وإن التنظيم
لا يُكافأ بالفوضى.
لكن الذي حدث
كان صمتا باردا،
أو حيادا
جارحا،
أو تشجيعا
خجولًا لا يرقى حتى إلى الدفاع عن مبدأ.
وهنا تتجلى
الحقيقة المؤلمة:
الأخوّة التي
لا تظهر عند الاختبار، ليست أخوّة،
بل خطاب
تواصلي يصلح للقمم والبيانات، لا للحظات الحسم.
المغرب لم
يقابل كدولة استثمرت في البنية والتنظيم والكرامة،
بل كطرف “يجب
ألا ينتصر أخلاقيا”،
لأن انتصاره
يحرج نماذج أخرى تعايشت طويلًا مع الفوضى باعتبارها قدرا.
ثانيا:
القارة… من وهم الانتماء إلى منطق الغريزة
إذا كانت
العروبة قد سقطت لغويا،
فإن الانتماء
القاري سقط سلوكيا.
إفريقيا التي
يُقال إنها فضاء تضامن،
أظهرت في هذه
البطولة أنها فضاء مصالح متناقضة،
وحساسيات
مريضة تجاه كل نموذج ناجح.
المغرب،
بهدوئه وتنظيمه واحترامه للقواعد،
تحوّل من بلد
مضيف إلى مرآة محرجة.
والمرآة، في
ثقافة سياسية مأزومة، تُكسَر بدل أن يُصلَح ما تعكسه.
في المباراة
النهائية تحديدا، لم يكن الانفلات مجرد شغب جماهيري،
بل ذروة
تراكمات:
فشل في تقبّل
الخسارة،
رفض للاعتراف
بالتفوق التنظيمي،
ومحاولة تحويل
الرياضة إلى ورقة ضغط سياسي.
وهنا انهار
وهم “العائلة القارية”.
العائلة لا
تبتز مضيفها،
ولا تهدده،
ولا تبرر خرق
القواعد باسم العاطفة.
ثالثًا:
الإعلام كسلطة موازية… من نقل الحدث إلى تبرير الفوضى
لكن الأخطر
في كل ما وقع،
لم يكن
السلوك داخل الملعب فقط،
بل الطريقة
التي رُوي بها الحدث.
الإعلام
القاري والعربي لعب دورا حاسما في تعويم المسؤوليات.
لم يكن
غائبا، بل كان حاضرا بشكل انتقائي.
الإعلام
العربي الرسمي، في غالبه، لم يُنكر الوقائع،
لكنه نزَع
عنها بعدها الأخلاقي والسياسي.
حوّل
الانتهاكات إلى “توتر طبيعي”،
والضغوط إلى
“أجواء نهائية”،
والفوضى إلى
“حماس جماهيري”.
لم يكن ذلك
ضعفا مهنيا،
بل انضباطا
لسقف سياسي يرى أن قول الحقيقة قد يربك التوازنات.
أما الإعلام
المستقل،
فحاول
الاقتراب من الوقائع،
لكنه فعل ذلك
بخطاب خافت،
محكوم بالخوف
من العزل أو التخوين أو فقدان المنصات.
الفرق بين
الإعلام الرسمي والمستقل لم يكن في المعلومة،
بل في الجرأة
على تحمل كلفة الموقف.
وفي المقابل،
جاء الإعلام الدولي—البعيد عن أوهام الأخوّة والانتماء—أكثر وضوحًا.
سمى الأشياء
بأسمائها،
توقف عند
التهديدات،
وعند خرق
القواعد،
وعند مسؤولية
الفاعلين.
وهنا تتجلى
المفارقة القاسية:
إعلام بعيد
جغرافيا، قريب مهنيا،
وإعلام قريب
لغويا، بعيد أخلاقيا.
رابعا: ماذا
تعلّم المغرب؟ وما الذي يجب أن يتغير؟
المغرب خرج
من هذه الكأس خاسرا في النتيجة،
لكنه رابح في
الدرس.
الدرس الأول:
أن
الهوية—قارية كانت أو عربية—لا تحمي الدول.
الذي يحميها
هو وضوح المصالح، وصلابة المواقف، وحدود لا تُتجاوز.
الدرس
الثاني:
أن الكرم غير
المشروط يتحوّل إلى عبء.
وأن فتح
الأبواب دون قواعد لا يصنع أصدقاء، بل يستدعي الاستباحة.
الدرس
الثالث:
أن الإعلام
ليس مرآة بريئة،
بل سلطة
موازية،
إما أن تحمي
القيم،
أو تُطبّع مع
الفوضى.
المغرب لا
يحتاج مراجعة انتماءاته الثقافية،
بل تحريرها
من السذاجة السياسية.
لا انسحاب من
إفريقيا،
ولا قطيعة مع
العالم العربي،
لكن نهاية
مرحلة التعامل العاطفي،
وبداية مرحلة
التعاقد الصارم:
تنظيم بلا
تساهل،
شراكات بشروط،
وضوح في
الخطوط الحمراء،
وصراحة مع
الذات قبل الآخر.
كأس إفريقيا
بالمغرب لم تكن نهاية بطولة،
بل نهاية
أوهام.
ومن لا يجرؤ
على تسمية ما سقط،
محكوم بإعادة
بنائه على نفس الوهم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك