أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
دخلت البرازيل رسمياً، يوم الأحد 19 غشت الجاري، مرحلة سياسية مشتعلة مع انطلاق الحملة الانتخابية التي تضع الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في مواجهة مباشرة مع فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو، في سباق انتخابي يوصف بأنه من أكثر الاستحقاقات إثارة واستقطاباً في تاريخ البلاد الحديث.
ويخوض لولا هذه المعركة للمرة السابعة في مساره السياسي الطويل، واضعاً نصب عينيه الظفر بولاية رئاسية رابعة خلال الانتخابات المرتقبة في أكتوبر المقبل، بينما يسعى بولسونارو الابن إلى استثمار إرث والده السياسي وتعبئة القاعدة اليمينية المحافظة لاستعادة السلطة، رغم الجدل الكبير الذي ما زال يرافق الرئيس السابق بعد متابعته قضائياً على خلفية اتهامات مرتبطة بمحاولة الانقلاب عقب انتخابات 2022.
وتكشف استطلاعات الرأي عن سباق شديد التقارب بين المرشحين، حيث يحتفظ لولا بأفضلية طفيفة، غير أن الكتلة الأكبر من الناخبين تبدو غير متحمسة لأي من المعسكرين، ما يجعل أصوات المستقلين العامل الحاسم في تحديد هوية الرئيس المقبل. ويعكس هذا الوضع حالة من الإحباط السياسي داخل المجتمع البرازيلي، حيث يعبّر كثير من المواطنين عن فقدان الثقة في الطبقة السياسية التقليدية.
وتزداد أهمية المعركة الانتخابية بالنظر إلى الوزن الكبير للناخبات داخل الهيئة الانتخابية، إذ تمثل النساء أغلبية المسجلين في اللوائح الانتخابية، مع مؤشرات ترجح استمرار دعم نسبة مهمة منهن للولا، كما حدث خلال الانتخابات السابقة التي مهدت لعودته إلى قصر الرئاسة.
وفي خضم هذا الصراع الداخلي، يبرز اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كأحد العوامل المؤثرة في المشهد السياسي البرازيلي. فالعلاقة الوثيقة التي تجمعه بعائلة بولسونارو تحولت إلى محور أساسي في الخطاب الانتخابي، حيث يرفع لولا شعار الدفاع عن السيادة الوطنية ومواجهة أي تدخل خارجي في الشؤون البرازيلية، مع التركيز على الملفات الاقتصادية والضغوط التجارية القادمة من واشنطن.
كما يحاول الرئيس الحالي استمالة الناخبين عبر وعود بتشديد الحرب على الجريمة المنظمة وتعزيز الأمن الداخلي، وهو الملف الذي يتصدر اهتمامات الرأي العام البرازيلي في ظل تصاعد معدلات العنف والجريمة في عدد من المدن الكبرى.
في المقابل، يراهن فلافيو بولسونارو على تقديم نفسه كوجه يميني جديد أكثر هدوءاً وأقل صدامية من والده، مع التركيز على شعارات الأمن والإصلاح المالي واستعادة ما يعتبره أنصاره "هيبة الدولة". كما يعمل على تعبئة القاعدة الشعبية المحافظة من خلال مهرجانات جماهيرية وتحركات ميدانية واسعة، خاصة في معاقل اليمين التقليدية.
ومع بدء العد العكسي نحو يوم الاقتراع، تبدو البرازيل مقبلة على مواجهة سياسية مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوى داخل أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية. وبين مشروع يساري يقوده لولا ومشروع يميني يحمله بولسونارو الابن، يجد ملايين البرازيليين أنفسهم أمام اختبار انتخابي مصيري سيحدد مستقبل البلاد لسنوات قادمة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك