أنتلجنسيا:أبو جاسر
كشفت أحدث المؤشرات النقدية والمالية عن تحولات لافتة في المشهد الاقتصادي المغربي، بعدما سجلت البنوك تراجعا مهما في حاجياتها من السيولة خلال شهر يونيو 2026، في تطور يعكس تحسنا نسبيا في توازنات السوق النقدية ويمنح إشارات جديدة بشأن توجهات السياسة المالية والنقدية خلال المرحلة المقبلة.
ووفق المعطيات الواردة في النشرة الشهرية الأخيرة لبنك المغرب، فقد انخفض العجز في السيولة البنكية بشكل واضح ليستقر عند معدل أسبوعي بلغ 127,3 مليار درهم، بعدما كان في حدود 146,6 مليار درهم خلال الشهر السابق، وهو ما دفع البنك المركزي إلى تقليص حجم تدخلاته التمويلية داخل السوق.
وفي هذا الإطار، خفض بنك المغرب حجم الدعم الموجه للمؤسسات البنكية إلى ما مجموعه 152,4 مليار درهم، موزعة بين تسبيقات قصيرة الأجل وعمليات إعادة شراء وقروض مضمونة طويلة الأمد، في خطوة تعكس تراجع الضغوط التي كانت تواجهها البنوك للحصول على الموارد المالية الضرورية لتغطية احتياجاتها اليومية.
وعلى مستوى المبادلات بين الأبناك، استمرت أسعار الفائدة في الاستقرار عند مستوى 2,25 في المائة، بينما بلغ متوسط حجم التداولات اليومية حوالي 2,2 مليار درهم، ما يعكس استمرار حالة من التوازن النسبي داخل السوق النقدية رغم التقلبات الاقتصادية الدولية.
وفي سوق سندات الخزينة، أظهرت المؤشرات تسجيل تطورات متفاوتة بين مختلف الآجال، حيث عرفت بعض الفوائد تراجعات طفيفة في السوق الأولية، مقابل ارتفاعات همت السندات المتوسطة والطويلة الأجل في السوق الثانوية، وهو ما يعكس اختلاف توقعات المستثمرين بشأن اتجاهات السوق خلال الأشهر المقبلة.
أما بالنسبة للمدخرين، فقد شهدت الودائع البنكية لأجل انخفاضا ملحوظا في العائدات الممنوحة، إذ تراجعت الفائدة الخاصة بالودائع لمدة ستة أشهر إلى 2,16 في المائة، بينما انخفضت الفائدة الخاصة بالودائع السنوية إلى 2,6 في المائة. ورغم ذلك، قرر البنك المركزي رفع الحد الأدنى للفائدة المطبقة على حسابات التوفير خلال النصف الثاني من سنة 2026 إلى 1,82 في المائة، في خطوة من شأنها أن تمنح المدخرين هامشا أفضل مقارنة بالفترة السابقة.
لكن التطور الأكثر أهمية بالنسبة للمقاولات والفاعلين الاقتصاديين يتمثل في استمرار منحى تراجع أسعار الفائدة على القروض. فقد أظهرت بيانات بنك المغرب انخفاض المعدل العام للفائدة على التمويلات الموجهة للقطاع غير المالي إلى 4,66 في المائة، وهو ما يعكس توجها يروم تخفيف كلفة التمويل وتحفيز الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
وشمل هذا التراجع مختلف أصناف التمويلات الممنوحة للمقاولات، حيث انخفضت فوائد قروض التجهيز وتسهيلات الخزينة وقروض الإنعاش العقاري، كما استفادت المقاولات الكبرى والصغرى والمتوسطة من انخفاضات متفاوتة في كلفة الاقتراض، إلى جانب تراجع الفوائد المطبقة على تمويلات المقاولين الذاتيين.
في المقابل، لم يستفد الأفراد بنفس الدرجة من هذا المنحى النزولي، إذ سجلت أسعار الفائدة المطبقة عليهم ارتفاعا طفيفا، مدفوعة بزيادة محدودة في كلفة الحسابات المدينة وبعض التسهيلات البنكية، بينما ظلت فوائد قروض السكن شبه مستقرة وسجلت قروض الاستهلاك انخفاضا طفيفا.
وتعكس هذه المؤشرات أن الاقتصاد المغربي يعيش مرحلة إعادة تموقع مالي ونقدي دقيقة، حيث يحاول بنك المغرب تحقيق توازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار والتحكم في التوازنات النقدية. كما توحي الأرقام بأن كلفة التمويل بدأت تتراجع تدريجيا بالنسبة للمقاولات، وهو ما قد يشكل دفعة جديدة للاستثمار وخلق فرص الشغل، في وقت يواصل فيه المواطنون مراقبة انعكاس هذه التحولات على قدرتهم الشرائية وأوضاعهم المعيشية اليومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك