بمناسبة اليوم الوطني للمجتمع المدني – 13 مارس 2026

بمناسبة اليوم الوطني للمجتمع المدني – 13 مارس 2026
أقلام حرة / السبت 14 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم : ذ، عماد جليل/رئيس مجلس إدارة المنظمة الإفريقية للدراسات الإستراتيجية

يخلد المغرب في الثالث عشر من مارس من كل سنة اليوم الوطني للمجتمع المدني، وهو موعد رمزي لتجديد الاعتراف بالدور الحيوي الذي تضطلع به الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في تعزيز التنمية وترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية التشاركية. ويشكل هذا اليوم مناسبة للتأمل في مسار العمل الجمعوي بالمملكة، واستحضار منجزاته، وكذلك الوقوف عند التحديات التي تعترض طريقه، والدعوة إلى إصلاحات عميقة تمكن المجتمع المدني من أداء رسالته الوطنية على أكمل وجه.

لقد أصبح المجتمع المدني في المغرب ركيزة أساسية في البناء الديمقراطي والتنمية المستدامة، باعتباره فضاءً حيوياً يضم الجمعيات والمنظمات التطوعية التي تعمل بشكل مستقل عن الدولة والأحزاب السياسية، وتسعى إلى خدمة الصالح العام عبر مبادرات اجتماعية وثقافية وتنموية وإنسانية متعددة.

وقد تعززت مكانة المجتمع المدني بشكل ملحوظ مع دستور سنة 2011، الذي اعترف بدوره كشريك في إعداد السياسات العمومية ومواكبة تنفيذها، حيث نص على إشراك الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية.

غير أن هذه المكانة الدستورية المتقدمة لم تُواكب دائماً بالإصلاحات القانونية والمؤسساتية الكافية التي تمكن الجمعيات من ممارسة أدوارها بفعالية واستقلالية. إذ ما زال الإطار القانوني المنظم للجمعيات يعتمد أساساً على الظهير الشريف الصادر سنة 1958، رغم ما عرفه من تعديلات، وهو قانون لم يعد يستجيب بشكل كامل للتحولات الاجتماعية والسياسية التي يعرفها المغرب اليوم.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إطلاق ورش إصلاحي شامل لمنظومة المجتمع المدني، يقوم على رؤية حديثة تعزز استقلاليته وتضمن حكامته وتوسع مجالات مشاركته في التنمية وصناعة القرار العمومي.

إن إصلاح المجتمع المدني في المغرب ينبغي أن ينطلق من مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها:

أولاً: إعداد قانون عصري جديد للجمعيات والمنظمات غير الحكومية، يستجيب لمقتضيات الدستور وروح الديمقراطية التشاركية، ويحدد بوضوح حقوق الجمعيات وواجباتها، ويضمن حرية تأسيسها وممارستها لأنشطتها في إطار الشفافية والمساءلة.

ثانياً: إرساء آليات مؤسساتية للتشاور والتشارك بين السلطات العمومية وهيئات المجتمع المدني، بما يمكن هذه الأخيرة من المساهمة الفعلية في صياغة السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييمها.

ثالثاً: تعزيز قدرات الفاعلين المدنيين عبر برامج تكوين وتأهيل مستمرة، تهدف إلى تطوير مهاراتهم في مجالات التدبير الإداري والمالي، وإعداد المشاريع، والترافع، والحكامة الجمعوية.

رابعاً: إقرار نظام دعم مالي مستدام وشفاف لفائدة الجمعيات الجادة والفاعلة، بما يمكنها من تنفيذ برامجها التنموية والاجتماعية، مع اعتماد معايير واضحة في منح الدعم تقوم على الكفاءة والنتائج.

خامساً: تشجيع الشباب والنساء على الانخراط في العمل الجمعوي باعتباره مدرسة للمواطنة وفضاءً لتكوين القيادات المجتمعية المستقبلية.

إن المجتمع المدني ليس مجرد قطاع تكميلي لعمل الدولة، بل هو شريك أساسي في تحقيق التنمية وترسيخ الديمقراطية. فالتجارب الدولية الناجحة تؤكد أن قوة الدول تقاس أيضاً بمدى حيوية مجتمعها المدني وقدرته على المبادرة والتأثير والمشاركة.

وبهذه المناسبة الوطنية، فإن تجديد الدعوة إلى إصلاح منظومة المجتمع المدني بالمغرب لا ينبغي أن يُنظر إليه كخيار ظرفي، بل كضرورة استراتيجية لبناء نموذج تنموي أكثر عدالة ونجاعة، يقوم على تعبئة جميع الطاقات المجتمعية، ويجعل من المواطن فاعلاً حقيقياً في صنع مستقبل وطنه.

إن المغرب، وهو يسير بثبات نحو تعزيز مساره الديمقراطي والتنموي، في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مجتمع مدني قوي، مستقل، ومؤهل، قادر على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد، والمساهمة بفعالية في تحقيق التنمية الشاملة وترسيخ قيم المواطنة والتضامن.

ولهذا فإن اليوم الوطني للمجتمع المدني ليس فقط مناسبة للاحتفاء بالعمل الجمعوي، بل هو أيضاً دعوة مفتوحة لإطلاق جيل جديد من الإصلاحات التي تعيد الاعتبار لدور الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وتمنحها المكانة التي تستحقها كشريك حقيقي في بناء مغرب المستقبل.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك